الفصل الثانى الأدلة من السُّنة على فضل العلم وفضل أهله
1 -قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من عَمِل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَد ٌّ) [1] .
ورواه البخاري معلقًا في كتاب الاعتصام من صحيحه قال [باب إذا اجتهد العامِل أو الحاكم فأخطأ خِلاف الرسول من غير علم، فحكمه مردود، لقول النبي صلى الله عليه وسلم «من عَمِل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» ] . [2] .
قال ابن حجر [هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده] [3] .
قلت: وإنما كان هذا الحديث بهذه المنزلة لأنه:
أ - يدل بمنطوقه: على بطلان كل عمل مخالف للدليل الشرعي، ويدخل في هذا العبادات والمعاملات من العقود وغيرها، وأحكام القضاة ونحوهم، فكل ما خالف الشريعة من هذا وغيره فهو مردود باطل، لايُثاب عليه صاحبه إن كان من العبادات والقربات، ولاتترتب عليه آثاره إن كان من المعاملات والعقود والأقضية.
ب - ويدل بمفهومه: على وجوب العلم قبل العمل - كما سيأتي الاستدلال به على ذلك في الباب الثاني إن شاء الله - فإنه إذا كان العمل لايُقبل ولايصح إلابمتابعة الشريعة، فقد وجب معرفة حكم الشريعة في كل عمل قبل الشروع فيه. وهذا يدل على فضل العلم وأنه شرط لصحة العمل، وأنه واجب قبل العمل.
وكما هو معلوم فإن شرطي قبول العمل هما:
أ - الإخلاص: بألا يقصد العبد بعمله إلا ابتغاء مرضاة الله.
ب - متابعة الشريعة: بأن يكون عمله وفق ماوردت به الشريعة، وهذا يقتضى وجوب العلم قبل العمل ليتسنّى إيقاع العمل وفق الشريعة.
وقد جمع الله تعالى هذين الشرطين في قوله تعالى (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الكهف: 110. فشرط الإخلاص ورد في قوله تعالى (وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) ، وشرط المتابعة في قوله (فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا) وهو العمل الموافق للشريعة، ولايقع العمل موافقا للشريعة إلا بعد العلم بأحكامها. قال ابن القيم رحمه الله [إن كل واحد منا مأمور بأن يصدق الرسول فيما أخبر به، ويطيعه فيما أمر، وذَلك لايكون إلا بعد معرفة أمره وَخبره. وَلم يوجب الله سبحانه من ذلك على الأمة إلا مافيه حفظ دينها ودنياها وَصلاحها في معاشها وَمعادها، وَبإهمال ذلك تضيع مصالحها وَتفسد أمورها، فما خراب العالم إلا بالجهل، وَلا عمارته إلا بالعلم. وَإذا ظهر العلم في بلد أو محلة قل الشر في أهلها، وَإذا خفي العلم هناك ظهر الشر وَالفساد. ومَنْ لم يعرف هذا فهو ممن لم يجعل الله له نورا. قال الإمام أحمد: ولولا العلم كان الناس كالبهائم، وَقال: الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب، لأن الطعام وَالشراب يحتاج إليه في اليوم مرتين أو ثلاثا، وَالعلم يحتاج إليه كل وَقت] [4] .
2 -قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من يُرد الله به خيرًا يُفَقَّه في الدين، وإنما أنا قاسمٌ والله يُعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لايضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) [5] .
من فوائد الحديث
أ) دَلّ الحديث على فضل العلم وفضل أهله: وأن تفقه العبد في دينه من علامات إرادة الله تعالى الخير به، إذ بتفقهه في دينه يُصلح عمله كما قدّمنا من وجوب متابعة الشريعة لصحة العمل، وبتفقهه في دينه يُرشد غيره إلي الحق والخير فيكون له مثل ثواب عمل من أرشده، وهذا كله يبين عِظَم فضل العلم وعِظم أجر أهله العاملين به.
(1) رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها
(2) ورواه البخاري موصولًا بلفظ آخر
(3) فتح الباري ج 5 ص302
(4) اعلام الموقعين 2/ 237 - 238
(5) رواه البخاري عن معاوية رضي الله عنه -- ورواه مسلم عنه مرفوعا بلفظ (من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ولاتزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة) .