قال ابن القيم رحمه الله [والمقصود أن الله سبحانه سمى علم الحجة سلطانا لأنها توجب تسلط صاحبها واقتداره فله بها سلطان على الجاهلين، بل سلطان العلم أعظم من سلطان اليد، ولهذا ينقاد الناس للحجة مالا ينقادون لليد فإن الحجة تنقاد لها القلوب وأما اليد فإنما ينقاد لها البدن، فالحجة تأسر القلب وتقوده وتذل المخالف وإن أظهر العناد والمكابرة فقلبه خاضع لها ذليل مقهور تحت سلطانها، بل سلطان الجاه إن لم يكن معه علم يساس به فهو بمنزلة سلطان السباع والأسوُد ونحوها قدرة بلا علم ولا رحمة بخلاف سلطان الحجة فإنه قدرة بعلم ورحمة وحكمة] [1] .
ولما كان العلم هو السلطان فإن أصحابه (العلماء) هم أصحاب السلطان الحقيقي والرياسة الحقيقية على الناس، قال أبو الأسود الدؤلي [ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك] [2] . ويدل على هذا:
10 -قول الله تعالى (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) النساء: 83.
وهذا نص في أن العلماء (الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) من أولي الأمر الذين ينبغي أن تُرَدَّ إليهم النوازل ويُصدَر عن أمرهم. ولهذا قال ابن تيمية رحمه الله إن العلماء والأمراء هما من أولى الأمر المذكورين في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) النساء: 59. قال ابن تيمية [فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء والأمراء، فإذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس] [3] . وكلا التفسيرين ورد عن الصحابة كما قال ابن حجر [واختلف في المراد بأولي الأمر في الآية، فعن أبي هريرة قال: هم الأمراء، أخرجه الطبري بإسناد صحيح، وأخرج عن ميمون بن مهران وغيره نحوه. وعن جابر بن عبدالله قال: هم أهل العلم والخير، وعن مجاهد وعطاء والحسن وأبي العالية: هم العلماء] [4] .
11 -ومن فضل العلم أن فضله تعدى من الناس إلى البهائم، فلم يُسَوّ الله بين الكلب العالم والكلب الجاهل كما لو يُسَوِّ بين العالم والجاهل من الناس. وبيان ذلك فيما قال ابن القيم رحمه الله[إن الله سبحانه جعل صيد الكلب الجاهل ميتة يحرم أكلها وأباح صيد الكلب المعلم، وهذا أيضًا من شرف العلم أنه لايباح إلا صيد الكلب العالم وأما الكلب الجاهل فلا يحل أكل صيده، فدلّ على شرف العلم وفضله.
قال الله تعالى (مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) المائدة:4، ولولا مزية العلم والتعليم وشرفهما كان صيد الكلب المعلم والجاهل سواء] [5] .
فهذه بعض الأدلة من كتاب الله تعالى على فضل العلم وفضل أهله، ثم نعرج على ذكر الأدلة من السنة.
(1) مفتاح دار السعادة 1/ 59
(2) إحياء علوم الدين، 1/ 18
(3) مجموع الفتاوى 28/ 170 ومثله في مجموع الفتاوى ج10/ 354 - 355 و ج11/ 551 - 552)
(4) فتح الباري ج 8 ص 254
(5) مفتاح دار السعادة 1/ 55