قال ابن القيم رحمه الله [إنه سبحانه نفى التسوية بين أهله وبين غيرهم كما نفى التسوية بين أصحاب الجنة وأصحاب النار فقال تعالى (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) الحشر: 20، وهذا يدل على غاية فضلهم وشرفهم] [1] .
7 -قول الله تعالى (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) الرعد: 19.
قال ابن القيم رحمه الله [إنه سبحانه جعل أهل الجهل بمنزلة العميان الذين لايُبصرون فقال (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى) فما ثَمَّ إلا عالم أو أعمى، وقد وصف سبحانه أهل الجهل بأنهم صم بكم عمي في غير موضع من كتابه] [2] .
8 -قول الله تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) الشورى: 52.
فوصف الله تعالى ماأوحاه إلى نبيه بالنور، وهو قد أوحى إليه العلم كما قال (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ) آل عمران: 61. فكلما زاد حظ العبد من العلم كلما زاد حظه من النور الهادي الذي يميز به بين الحق والباطل، قال تعالى (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا) الأنعام: 122. وهذا كله في العلم النافع الباعث على الخشية والتقوى، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) الحديد: 28.
9 -قول الله تعالى (قَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) يونس: 68.
وصف الله تعالى العلم والحجّة في هذه الآية بالسلطان، فطالب الله الكافرين بالحجة على دعواهم (إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا) وأنكر سبحانه عليهم ادعاءهم بغير علم (أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) .
ومثل هذه الآية قوله (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ) الأعراف: 71، وقال تعالى (هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَاتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) الكهف: 15، وقال تعالى (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ) الحج: 71، وقال تعالى (أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ، وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ، أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ، فَاتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) الصافات: 151 - 157. ففي كل هذه الآيات ورد السلطان بمعنى العلم والحجة وذم الله المشركين في شركهم بغير حجة وطالبهم بالحجة على مايقترفونه.
(فائدة) وردت كلمة (سلطان) في القرآن بمعنيين أحدهما: بمعنى العلم والحجة كما في الآيات السابقة، والثاني: بمعنى القوة والقهر كما في قوله تعالى (وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا) الإسراء: 80، وقوله تعالى (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) الإسراء: 33. وأكثر ماوردت الكلمة في القرآن بالمعنى الأول أي الحجة، وكلا المعنيين يرجعان إلى معنى واحد، فهما مشتقان من كلمة السَّلاطة ومعناها التمكن من القهر وقد يكون القهر بالحجة وقد يكون بالقوة المادية [3] .
(1) مفتاح دار السعادة، ص 49
(2) مفتاح دار السعادة ص 49
(3) انظر (المفردات للراغب الأصفهاني، ص 238)