نصب نفسه لتدريس الفقه والفتوى في الأحكام ما يُغنيه عن الاحتراف والتكسّب، ويجعل ذلك في بيت مال المسلمين] [1] .
ودليله صنيع الصحابة مع أبي بكر الصديق لما استُخلف رضي الله عنهم. روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت [لما استُخلف أبو بكر الصديق قال: لقد عَلِمَ قومي أن حرفتي لم تكن تعجزُ عن مَؤُنة أهلي، وشُغِلتُ بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال وأَحترِفُ للمسلمين فيه] [2] . وقال ابن حجر في شرحه [في قصة أبي بكر أن القَدْر الذي كان يتناوله فُرِضَ له باتفاق من الصحابة، فروى ابن سعد بإسناد مرسل رجاله ثقات، قال «لما استخلف أبو بكر أصبح غاديا إلى السوق على رأسه أثواب يتجر بها، فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فقال: كيف تصنع هذا وقد ولِّيت أمر المسلمين؟، قال: فمن أين أُطعم عيالي؟، قالوا: نَفْرِضُ لك، ففرضوا له كل يوم ٍ شطر شاة» ] [3] .
فتأمّل يرحمك الله، هذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه خير هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم وأول الخلفاء الراشدين، فرض له الصحابة شطر شاه - أي نصف شاة - في اليوم، أما حكام هذا الزمان من الملوك والرؤساء فقد فرضوا لأنفسهم شطر أموال الأمة أو يزيد، ثم يطالبون شعوبهم بالتقشف وشد الأحزمة على البطون لأجل سداد ديون الأمة؟!، ولاشك في أن ظلم هؤلاء الحكام إنما هو عقوبة قدرية لهذه الشعوب بسبب سكوتها عن الظلم وتركها السعي في إزالته وتغييره، قال تعالى (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) الأنعام: 129.
3 -وأما أخذ المعلم أجرهُ من أهل محلة ٍ أو من رجل ليعلمه إن كان محتاجا وتعذر أخذه من بيت المال:
فدليله قوله صلى الله عليه وسلم (إن أَحقَّ ماأخذتم عليه أجرًا كتابُ الله) [4] . قال ابن حجر [واستدل به الجمهور في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وخالف الحنفية فمنعوه في التعليم وأجازوه في الرقى كالدواء. قالوا لأن تعليم القرآن عبادة والأجر فيه على الله، وهو القياس في الرقى إلا أنهم أجازوه فيها لهذا الخبر] [5] .
وقد استدل الأحناف للمنَعْ من أخذ الأجر على تعليم القرآن بأدلة:
منها قوله تعالى (وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) البقرة: 41، ومافي معناها من الآيات، وقد وردت في حق بني اسرائيل الذين يكتمون صفة النبي صلى الله عليه وسلم والذين يأخذون الرشوة لتبديل الحق وتغييره، ولو قلنا إن عموم لفظها يدخل فيه أخذ الأجر على تعليم القرآن، فإن هذا العموم يخصصه الحديث المذكور (إن أحق ماأخذتم عليه أجرًا كتاب الله) .
ومما استدل به الأحناف أيضا بعض الأحاديث الضعيفة التي لاتقوم لهذا الحديث الصحيح [6] .
قال ابن تيمية رحمه الله [ولهذا لما تنازع العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن ونحوه، كان فيه ثلاثة أقوال في مذهب الإمام أحمد وغيره: أعدلها أنه يُباح للمحتاج. قال أحمد: أجرة التعليم خيرٌُ من جوائز السلطان، وجوائز السلطان خيرُ ُ من صِلة الإخوان] [7] .
فإذا ثبت جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن فإنه يجوز في تعليم غيره من العلوم الشرعية، إذ إن القرآن هو أساس جميع
(1) (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 164
(2) (حديث 2070)
(3) (فتح الباري) ج 4 ص 305
(4) رواه البخاري (5737)
(5) (فتح الباري) ج 4 ص 453. وقوله (وأجازوه في الرقى) لأن الحديث السابق ورد في حق الرقية بفاتحة الكتاب
(6) ذكر بعضها القرطبي رحمه الله فراجعها في تفسيره ج 1 ص 335
(7) (مجموع الفتاوي) ج 30 ص 192 - 193