فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 1285

بيَّنا في الفصول السابقة الفضل العظيم الوارد في حق أهل العلم، وثوابهم ومكانتهم في الدنيا والآخرة.

ويختلف الناس في استحقاقهم لهذا الفضل بقدر طلبهم للعلم وانتفاعهم به في أنفسهم بالعمل به وفي الناس بنشر العلم وتعليمه. وتتفاوت مراتب الناس في استحقاق هذا الفضل تفاوتا عظيما كما يدل عليه:

1 -قوله تعالى (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) الرعد: 19.

2 -وقوله تعالى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) الزمر: 9.

3 -وقد ورد حديثٌ مفصَّلٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان مراتب الناس في هذا الشأن، وهو قوله صلى الله عليه وسلم (مَثَلُ مابعثني الله به من الهدى والعلم كمثلِ الغيث الكثير أصاب أرضا: فكان منها نَقيَّة ٌ قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعُشْبَ الكثير، وكانت منها أجادِبُ أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسَقَوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة ً أخرى إنما هي قيعانٌ لاتُمسِكُ ماءً ولا تنبت ُ كلأ ً، فذلك مَثَل ُ من فَقِه في دين الله ونفعَهُ ما بعثني الله ُ به فعَلِمَ وعَلَّم، ومَثَلُ من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هُدَى الله الذي أُرسِلتُ به) [1] .

قال ابن حجر رحمه الله في شرح هذا الحديث[قال القرطبي وغيره: ضرب النبيص لما جاء به من الدين مثلا بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت فكذا علوم الدين تحيي القلب الميت. ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم العالم العامل المعلم. فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها. ومنهم الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه غير أنه لم يعمل بنوافله أو لم يتفقه فيما جمع لكنه أداه لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقوله «نضر الله امرءا سمع مقالتي فأداها كما سمعها» . ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه ولا يعمل به ولا ينقله لغيره، فهو بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء التي لاتقبل الماء أو تفسده على غيرها. وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها. والله أعلم. ثم ظهر لي أن في كل مثل طائفتين، فالأول قد أوضحناه، والثاني الأولى منه من دخل في الدين ولم يسمع العلم أو سمعه فلم يعمل به ولم يعلمه، ومثالها من الأرض السباخ وأشير إليها بقوله صلى الله عليه وسلم «من لم يرفع بذلك رأسا» أي أعرض عنه فلم ينتفع به ولا نفع. والثانية منه من لم يدخل في الدين أصلا، بل بلغه فكفر به، ومثالها من الأرض الصماء الملساء المستوية التي يمر عليها الماء فلا ينتفع به، وأشير إليها بقوله صلى الله عليه وسلم «ولم يقبل هدى الله الذي جئت به» .

وقال الطيبي: بقي من أقسام الناس قسمان: أحدهما الذي انتفع بالعلم في نفسه ولم يعلِّمه غيره، والثاني من لم ينتفع به في نفسه وعلَّمه غيره. قلت: والأول داخل في الأول لأن النفع حصل في الجملة وإن تفاوتت مراتبه. وكذلك ماتنبته الأرض، فمنه ما ينتفع الناس به ومنه ما يصير هشيما. وأما الثاني فإن كان عمل الفرائض وأهمل النوافل فقد دخل في الثاني كما قررناه، وإن ترك الفرائض أيضا فهو فاسق لايجوز الأخذ عنه، ولعله يدخل في عموم «من لم يرفع بذلك رأسا» والله أعلم] [2] .

(1) متفق عليه عن أبي موسى رضي الله عنه، واللفظ للبخاري (حديث 79)

(2) فتح الباري ج 1 ص 177

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت