فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 1285

وقال الخطيب البغدادي رحمه الله - في الكلام عن نفس الحديث - [قد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث مراتب الفقهاء والمتفقهين من غير أن يشذ منها شيء. فالأرض الطيبة هي مثل الفقيه الضابط لما روى الفاهم للمعاني المحسن لرد ما اختلف فيه إلى الكتاب والسنة. والأجادب الممسكة للماء التي يستقي منها الناس هي مثل الطائفة التي حفظت ما سمعت فقط وضبطته وأمسكته حتى أدته إلى غيرها محفوظا غير مغير دون أن يكون لها فقه تتصرف فيه ولا فهم بالرد المذكور وكيفيته لكن نفع الله بها في التلبيغ فبلغت إلى من لعله أوعى منها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رُبَّ مبلغ أوعى من سامع وربَّ حامل فقه ليس بفقيه، ومن لم يحفظ ماسمع ولا ضبط فليس مثل الأرض الطيبة ولا مثل الأجادب بل هو محروم ومثله مثل القيعان التي لاتنبت كلأ ولا تمسك ماءً وقد قال الله سبحانه (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) الزمر: 9، وقال (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى) الرعد: 19، وشبه التارك للعلم رغبة عنه واستهانة به وتكذيبا له بالكلب فقال تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا) إلى أن قال (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ) إلى آخر الآية الأعراف: 175 - 176] [1] .

وبعد: فقد كان هذا بيانًا لمراتب الناس في طلب العلم والعمل به، ويقابلها مراتبهم في استحقاق الفضل. فانظر ياأخي المسلم أين موقعك في هذه المراتب؟. واجتهد في طلب المزيد من الفضل، قبل أن يأتي يوم لا مَرَدَّ له من الله، يوم لاينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بلقب سليم.

وهذا آخر ما نذكره في باب (فضل العلم وفضل أهله) ، ثم نعرج على الكلام في (حكم طلب العلم) ، وإنما قدَّمنا ببيان فضل العلم لتتشوف إليه النفوس فتعرف شرف المطلوب وقدره قبل معرفة حكم طلبه.

وبالله تعالى التوفيق

(1) (الفقيه والمتفقه) ج 1 ص 49

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت