فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 1285

فاعلم يا أخي المسلم أن التصدي للإفتاء والتأليف أمر عظيم، ومن أصاب فيهما فأجره عظيم، ومن أقدم عليهما بغير علمٍ واكتمال أهلية وزره عظيم، بل عليه وزره ووزر من عمل بقوله الخطأ إلى يوم القيامة.

ثم اعلم أيضًا أن الإفتاء والتصنيف في العلوم الشرعية من فروض الكفاية، وإن كانت تتعين في أحوال.

وإنما قدّمت بهذا التمهيد لأُنَبِّه طالب العلم على ألا يتعجل فيتصدى لأمر لم يتأهل له، خاصة وأنني أرى اليوم عشرات الكتب لمؤلفين مشهورين وغير مشهورين مليئة بالأخطاء الشرعية بل بالضلالات بل بالكذب والتحريف المتعمد أحيانا، وستأتي الإشارة إلى بعض هؤلاء في الباب السابع الخاص بالكتب التي نوصي بها إن شاء الله، فلا تؤلف كتابا يكون زادك إلى النار، ولا تؤلف في أمر لم تستوعبه دراسةً ولا تؤلف في موضوع استوفى السلف دراسته ولن تأتي فيه بجديد بل قد تزِل فيه، وأنفع لك أن ترشد الناس إلى ما ألَّفه السلف في الموضوع من أن تكتب فيه.

فإذا اقتضى الأمر التصنيف واكتملت الأهلية لذلك، فإن نفعه عظيم للطالب قبل غيره إذ يدعوه التصنيف إلى مزيد من البحث والتنقيب بما يعود عليه بالفائدة الجليلة. وفي هذا يقول النووي رحمه الله - في آداب المتعلم - [فإذا فعل ما ذكرناه وتكاملت أهليته واشتهرت فضيلته اشتغل بالتصنيف وجَدّ في الجمع والتأليف محققا كل ما يذكره متثبتا في نقله واستنباطه متحريا إيضاح العبارات وبيان المشكلات مجتنبا ً العبارات الركيكات والأدلة الواهيات، مستوعبا ً معظم أحكام ذلك الفن غير مخل بشيء من أصوله منبها على القواعد فبذلك تظهر له الحقائق وتنكشف المشكلات ويطلع على الغوامض وحل المعضلات ويعرف مذاهب العلماء والراجح والمرجوح ويرتفع عن الجمود على محض التقليد ويلتحق بالأئمة المجتهدين أو يقاربهم إن وُفِق لذلك وبالله التوفيق] [1]

وقال النووي أيضا - في كتابه «التقريب» في آداب طالب الحديث - [وليشتغل بالتخريج والتصنيف إذا تأهَّل له، وليعتنِ بالتصنيف في شرحه وبيان مُشْكِلهِ مُتْقَنًا واضحا، فقلما يمهر في علم الحديث من لم يفعل هذا] . قال السيوطي في شرحه[قال الخطيب: لا يتمهر في الحديث ويقف على غوامضه، ويستبين الخفي من فوائده إلا من جمع متفرقه، وألف مشتته، وضم بعضه إلى بعض، فإن ذلك مما يقوي النفس، ويثبت الحفظ، ويذكي القلب، ويشحذ الطبع، ويبسط اللسان ويجيد البيان، ويكشف المشتبه ويوضح الملتبس. ويكسب أيضا جميل الذكر ويخلده إلى آخر الدهر، كما قال الشاعر:

يموت قومٌ فيحي العلم ذكرهم والجهل يجعل أحياءً كأمواتِ] [2] .

وبهذا نختم الكلام في آداب المتعلم في درسه وتعلُّمِهِ، وبه نختم هذا الفصل الخاص بآداب المتعلم.

(1) (المجموع) ج 1 ص 39

(2) (تدريب الراوي) ج 2 ص 152 - 153

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت