د - اجتناب المعاصي: من أسباب تثبيت الحفظ وقد سبق الكلام في هذا في أول آداب الطالب في نفسه، فإن العلم نور من الله، ونور الله لا يؤتاه عاص وإنما يؤتي الله نوره المتقين كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) الحديد: 28. وقال تعالى (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ) فاطر: 2. وقال ابن عبد البر [وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إني لأحسب الرجل ينسى العلم بالخطيئة يعملها، وإن العالم من يخشى الله، وتلا (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) فاطر: 28] [1] . فاستعن على الحفظ بطاعة الله تعالى ولا تضيِّع علمك بالمعاصي.
وهذا كله في بيان ما يعين على حفظ العلم.
خامسا - نصح المتعلم لرفقته في طلب العلم.
الصحبة الصالحة في طلب العلم من أعظم ما يعين الطالب في طلبه للعلم، وذلك بأن يكون له صاحب صالح أو أكثر يذاكر معه دروسه ويراجع عليه محفوظاته، فإذا أنعم الله تعالى على الطالب بهذا فينبغي أن يقوم مع أصحابه بآداب الصحبة في طلب العلم، ومنها ما ذكره النووي قال [وينبغي أن يرشد رفقته وغيرهم من الطلبة إلى مواطن الاشتغال والفائدة ويذكر لهم ما استفاده على جهة النصيحة والمذاكرة، وبإرشادهم يُبارَك له في علمه ويستنير قلبه وتتأكد المسائل معه مع جزيل ثواب الله عز وجل، ومن بخل بذلك كان بضده فلا يثبت معه وإن ثبت لم يثمر، ولا يحسد أحدا ً ولا يحتقره ولا يعجب بفهمه وقد قدمنا هذا في آداب المعلم] [2] .
ومن آداب الصحبة في طلب العلم أن يخبر الطالب أصحابه بما غابوا عنه من دروس الشيخ مما حضره هو، وقد بوّب البخاري على هذه المسألة في كتاب العلم من صحيحه، فقال: باب (التناوب في العلم) ، وفيه روى عن عمر رضي الله عنه قال [كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أمية بن زيد - وهى من عوالي المدينة - وكنّا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل يوما وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك] [3] . قال ابن حجر في شرحه [وفيه أن الطالب لا يَغْفَل عن النظر في أمر معاشه ليستعين على طلب العلم وغيره، مع أخذه بالحزم في السؤال عما يفوته يوم غيبته، لما عُلِمَ من حال عمر أنه كان يتعاني التجارة إذ ذاك] [4] .
سادسا - عدم التعجل في التصدي للإفتاء والتصنيف قبل الأهلية
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أُفْتِىَ بغير علم كان إثمه على من أفتاه) [5] .
وقال الإمام مالك رحمه الله [من سُئل عن مسألة فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة ثم يجيب فيها] [6] . ومصداق قول مالك من كتاب الله تعالى (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق: 18، وقال تعالى (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) المطففين: 4 - 6.
(1) (جامع بيان العلم) ج 2 ص 5
(2) (المجموع) ج 1 ص 39
(3) الحديث (89)
(4) (فتح الباري) ج 1 ص 186
(5) رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه بإسناد حسن
(6) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 218