قال الزهري رحمه الله [إنما يُذْهِبُ العلمَ النسيانُ وقلة المذاكرة] [1] . ومما يعين على الاحتفاظ بالمحفوظ من العلم أمور أهمها: الكتابة، وتكرار المحفوظ، والعمل بالعلم، واجتناب المعاصي.
أ - الكتابة: ونعني بها هنا أمرين:
أحدهما: أن يكتب الطالب بيده ما يحفظ في لوح أو ورق، كما يفعله الصبيان في مكتب تحفيظ القرآن، إذ يأمرهم المعلم بكتابة الآيات في اللوح، فهذه الكتابة مما يثبت الحفظ.
والثاني: أن يكون لدى الطالب كتابًا يحتوي على محفوظاته، إما من الكتب المتداولة الموثوق بصحتها، وإما ما كتبه بيده. ليرجع الطالب للكتاب إذا نسى بعض محفوظاته أو إذا اختلطت عليه. ويدل على أهمية هذا ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال [ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحدٌ أكثر حديثا عنه مِنِّي، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتُب ولا أكتبُ] [2] . ومع هذا فإن أحاديث أبي هريرة المثبتة في دواوين السنة أكثر بكثير من أحاديث عبد الله بن عمرو لأسباب ذكرها ابن حجر [3] . ولكن قول أبي هريرة يدل على أهمية الكتابة في المحافظة على المحفوظ، ولهذا كان بعض السلف يقول: قيِّدوا العلم بالكتابة. قال الخطيب البغدادي[فإذا أتقن كل واحد منهم الدرس وحفظه فليكتبه، ويكون تعويله على حِفظه، فإن اضطرب عليه شيء من محفوظه رجع إلى كتابه فاستثبته منه. ثم روى الخطيب بإسناده عن الخليل بن أحمد قال: ما في الدفتر رأس مالك وما في قلبك التفقه، وأنشد:
ليس بعلمٍ ما حوى القمطر ما العلم إلا ما وعاه الصدر] [4] .
ب - تكرار المحفوظ، أي مراجعة محفوظاته كل فترة مناسبة حتى لا ينساها، ولها صور:
• منها أن يكرر محفوظاته على نفسه.
• ومنها أن يكون له صاحب في طلب العلم يكرر كل منهما على الآخر ويصحح كل منهما للآخر خطأه، وهذا مما أُوصِى به لفائدته.
• ومنها أن يتخذ التعليم وسيلة لتثبيت حفظه، فكلما علَّم غيره ماحفظه ثبت في قلبه، قال ابن عبد البر [قال الخليل بن أحمد: اجعل تعليمك دراسة لك، واجعل مناظرة العلم تنبيها بما ليس عندك، وأكثر من العلم لتَعْلَم، وأقلِل منه لتحفظ] [5] . وروى ابن عبد البر عن الأعمش [أن إسماعيل بن رجاء كان يجمع صبيان الكتّاب يحدثهم لئلا ينسى حديثه. وأن عطاء الخرساني كان إذا لم يجد أحدًا أتى المساكين فحدثهم يريد بذلك الحفظ] . [6] .
ج - العمل بالعلم، مما يثبته. روى ابن عبد البر عن وكيع قال [كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به، وكنا نستعين على طلبه بالصوم] [7] . وقال النووي - في آداب المتعلم - [وينبغي أن يستعمل ما يسمعه من أحاديث العبادات والآداب فذلك زكاة الحديث وسبب حفظه] [8] .
(1) رواه عنه بإسناده ابن عديّ في (الكامل في الضعفاء) ج 1 ص 59، ورواه ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) ج 1 ص 108
(2) (حديث 113)
(3) انظر (فتح الباري) ج 1 ص 207
(4) (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 127
(5) (جامع بيان العلم) ج 1 ص 130
(6) (جامع بيان العلم) ج 1 ص 111
(7) (جامع بيان العلم) ج 2 ص 132
(8) (تدريب الراوي) ج 2 ص 144