فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 1285

الفهم.

ج - تكرار مايريد حفظه حتى يحفظه، قال ابن الجوزى رحمه الله[بيان طريق إحكام المحفوظ: الطريق في إحكامه كثرة الإعادة، والناس يتفاوتون في ذلك، فمنهم من يثبت معه المحفوظ مع قلة التكرار. ومنهم من لا يحفظ إلا بعد التكرار الكثير. فينبغي للإنسان أن يعيد بعد الحفظ ليثبت معه المحفوظ. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «تعاهدوا القرآن فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النَّعم مِن عَقْلها» وكان أبو إسحاق الشيرازي: يعيد الدرس مائة مرة. وكان الكيا يعيد سبعين مرة. وقال لنا الحسن ابن أبي بكر النيسابوري الفقيه: لا يحصل الحفظ إلى حتى يعاد خمسين مرة.

وحكى لنا الحسن: أن فقيهًا أعاد الدرس في بيته مرارًا كثيرة، فقالت له عجوز في بيته قد والله حفظته أنا. فقال: أعيديه فأعادته فلما كان بعد أيام. قال: يا عجوز، أعيدي ذلك الدرس فقالت ما أحفظه. قال: أنا أكرر عد الحفظ لئلا يصيبني ما أصابك] [1] .

د - اختيار الوقت والمكان المناسبين للحفظ. وقد أوصى العلماء ببعض الوصايا في هذا الشأن، ولكن مدار المسألة يعود إلى مراعاة نشاط النفس وفراغ القلب من الشواغل وهدوء المكان. ومما يرشد إلى الأوقات المناسبة قول النبي صلى الله عليه وسلم (إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرَّوحة وشيء من الدُّلجة) [2] ، وفي رواية له (سدِّدوا وقاربوا، واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة، والقَصْد القصد تبلغوا) .

قال النووي رحمه الله:[ (الغدوة) سَيْر أول النهار، و (الرَوْحة) : آخر النهار، و (الدُّلْجة) آخر الليل، وهذا استعارة وتمثيل، ومعناه: استعينوا على طاعة الله بالأعمال في وقت نشاطكم، وفراغ قلوبكم بحيث تستلذون العبادة ولا تسأمون وتبلغون مقصودَكم، كما أن المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات ويستريح هو ودابته في غيرها، فَيَصلُ المقصودَ بغير تعب، والله أعلم. (رياض الصالحين - باب الاقتصاد في الطاعة) .

ومما أوصى به العلماء في أوقات الحفظ وأماكنه ما ذكره الخطيب البغدادي رحمه الله قال (اعلم أن للحفظ ساعات ينبغي لمن أراد الحفظ أن يراعيها وللحفظ أماكن ينبغي للمتحفظ أن يلزمها فأجود الأوقات الأسحار، ثم بعدها وقت انتصاف النهار، وبعدها الغدوات دون العشيات، وحفظ الليل أصلح من حفظ النهار، وقيل لبعضهم بم أدركت العلم؟ قال بالمصباح والجلوس إلى الصباح - إلى أن قال - وأجود أماكن الحفظ الغرف دون السفل، وكل موضع بعيد مما يلهي وخلا القلب فيه مما يفزعه فيشغله، أو يغلب عليه فيمنعه. وليس بالمحمود أن يتحفظ الرجل بحضرة النبات والخضرة ولا على شطوط الأنهار ولا على قوارع الطرق فليس يعدم في هذه المواضع غالبا ما يمنع من خلو القلب وصفاء السِّر.

وأوقات الجوع أحمد للتحفظ من أوقات الشبع، وينبغي للمتحفظ أن يتفقد من نفسه حال الجوع فإن بعض الناس إذا أصابه شدة الجوع والتهابه لم يحفظ، فليطفئ ذلك بالشئ الخفيف اليسير كمص الرمان وما أشبه ذلك، ولايكثر الأكل. ثم روى الخطيب بإسناده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يُقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلثًا طعامًا، وثلثًا شرابًا، وثلثًا لنفسه) ] [3] . ومعنى الغرف أي الحجرات العالية عن الأرض، والحديث المذكور (ما ملأ .... ) رواه الترمذي بلفظ قريب وقال حديث حسن.

2 -الركن الثاني للحفظ: مراجعة المحفوظ كل فترة مناسبة حتى لا يُنسى.

(1) (الحث على حفظ العلم) ص21

(2) رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه

(3) (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 103 - 104. ونقله عنه النووي باختصار في (المجموع) ج 1 ص 37

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت