فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 1285

أكثرُ أخذًا للقرآن؟)، فإذا أشير له إلى رجُلٍ قدَّمه في اللحد قبل صاحبه] [1] .

هذا كله في بيان أهمية الحفظ، وماتغني الكتب عن الرجل إذا احترقت أو سُرقت أو صار بمعزلٍ عنها، فيُحال بينه وبين علمه؟.

قال أبو الفرج بن الجوزى رحمه الله - في كتابه «الحث على حفظ العلم» -[فإن الله عز وجل خَصَّ أمتنا بحفظ القرآن والعلم، وقد كان من قبلنا يقرأون كتبهم من الصحف، ولايقدرون على الحفظ، فلما جاء عزير فقد التوراة من حفظه، فقالوا: هذا ابن الله!؟ فكيف نقوم بشكر من خوّلنا أن ابن سبع سنين مِنّا، يقرأ القرآن عن ظهر قلب، ثم ليس في الأمم ممن ينقل عن نبيه أقواله وأفعاله على وجه يحصل به الثقة إلا نحن، فإنه يَروي الحديث مِنا خالفٌ عن سالفٍ، وينظرون في ثقة الراوي إلى أن يصل الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسائر الأمم يروون مايذكرونه عن صحيفة لايدري من كتبها، ولايعرف من نقلها، وهذه المنحة العظيمة نفتقر إلى حفظها، وحفظها بدوام الدراسة، ليبقى المحفوظ، - إلى أن قال - وفى الحديث: «يُقالُ لقاريء القرآن اقرأ، وارق، فمنزلك عند آخر آية تقرؤها» ، وليس من حفظ نصف القرآن كمن حفظ الكل، ولا من حفظ مائة حديث كمن حفظ ألفًا. وعلى هذا فليس العلم إلا ما حصل بالحفظ.

قال عبد الرزاق بن همام: كل علم لايدخل مع صاحبه الحمام فلاتعده: وأنشد:

وليس بعلم ماحوى القمطر ماالعلم إلا ماحواه الصدر] [2] .

وقال الماوردى رحمه الله[وربما استثقل المتعلم الدرس والحفظ، واتكل بعد فهم المعاني، على الرجوع إلى الكتب والمطالعة فيها عند الحاجة، فلا يكون إلا كمن أطلق ما صادَهُ ثِقة بالقدرة عليه، بعد الامتناع منه، فلا تُعْقِبه الثقة إلا خجلا، والتفريط إلا ندما. - إلى أن قال - والعرب تقول في أمثالها حَرْفٌ في قلبك، خير من ألف في كتبك، وقالوا: لاخير في علم لايَعْبُرُ معك الوادي، ولايَعمُرُ بك النادي، وأنشدت عن الربيع، للشافعي رضى الله عنه:

علمي معي حيثما يَمَّمْت يَتْبعنُى قلبى وعاءٌ له لابطن صندوق

إن كنتُ في البيت كان العلم فيه معيأ وكنت في السوق كان العلم في السوق] [3] .

رابعا - بيان مايُعين على حفظ العلم

اعلم أن الحفظ يعتمد على ركنين أساسيين:

أحدهما: تكرار الدرس مرات عديدة حتى يُحفظ. والثاني: مراجعة المحفوظ كل فترة مناسبة حتى لايُنسى.

ولكل واحد من هذين الركنين أمور مساعدة على النحو التالي:

1 -الركن الأول للحفظ وهو التكرار حتى يَحْفظ، يُعين عليه

أ - التدرج في مقدار مايريد حفظه، على النحو الذى ذكرناه آنفا في التدرج في الكمِّ.

ب - فهم مايريد حفظه حتى يسهل عليه حفظه، ويستثنى من شرط الفهم تحفيظ القرآن للأطفال إذ قد درج المسلمون منذ القدم على تحفيظ الأطفال دون تفهيمهم المعاني للاستفادة من قابلية الأطفال الشديدة للحفظ في الصغر دون

(1) رواه البخاري

(2) (الحث علي حفظ العلم) لابن الجوزي، ط دار الكتب العلمية 1405 ص 11 - 13. والبيت المذكور للخليل بن أحمد رحمه الله، ذكره ابن عبد البر (جامع بيان العلم) ج 1 ص 68

(3) (أدب الدنيا والدين) ص 65. والأبيات المذكورة نسبها ابن عبد البر لمنصور الفقيه (جامع بيان العلم) ج 1 ص 69. وهذا كله في بيان أهمية الحفظ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت