فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 1285

نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال

وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

وهذا إمام الحرمين ترك ماكان ينتحله ويقرره، واختار مذهب السلف وكان يقول: «يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام! فلو أني عرفت أن الكلام يبلغ بى إلى مابلغ مااشتغلت به» ، وقال عند موته: «لقد خضت البحر الخضم، وخَلَّيت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت فيما نهوني عنه. والآن: إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمى .. أو قال: عقيدة عجائز نيسابور» .

وكذلك قال أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني: «أخبر أنه لم يجد عند الفلسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم» ، وكان ينشد:

لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفى بين تلك المعالم

فلم أر إلا واضعا كف حائر على ذقن، أو قارعًا سن نادم

وابن الفارض - من متأخرى الاتحادية - صاحب القصيدة التائية المعروفة «بنظم السلوك» وقد نظم فيها الاتحاد نظما رائق اللفظ، فهو أخبث من لحم خنزير في صينية من ذهب. وما أحسن تسميتها بنظم الشكوك! الله أعلم بها وبما اشتملت عليه، وقد نَفَقَت كثيرًا وبالغ أهل العصر في تحسينها والاعتداد بما فيها من الاتحاد - لمّا حضرته الوفاة أنشد:

إن كان منزلتي في الحب عندكم ماقد لقيت فقد ضيعت أيامي

أمنية ظفرت نفسي بها زمنًا واليوم أحسبها أضغاث أحلام] [1] .

فليحرص الطالب على طلب الحق، ولايقدِّم هواه ورأيه، بل يتبع الأدلة ويفهم منها مافهمه السلف الصالح.

ثالثا - الاعتناء بالحفظ

اعلم أن العلم المعتبر هو المحفوظ، وقد كانت عناية السلف رحمهم الله بالحفظ تامةً خاصة قبل شيوع كتابة العلم كما ذكرنا من قبل، ثم أخذوا في الكتابة منذ أوئل القرن الثانى الهجرى لأجل تقييد المحفوظ ومراجعته، وظل الحفظ هو الأصل، وهو صفة هذه الأمة كما قال تعالى (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) العنكبوت: 49.

ومنزلة العبد في الدنيا والآخرة بقدر مايحفظه من العلم - وقد سبق أن العلم المعتبر هو مايعمل به صاحبه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين) [2] ، وهذا على العموم، أي في الدنيا والآخرة.

وقال صلى الله عليه وسلم (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق، ورتِّل كما كنت ترتِّل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها) [3] ، فهذا في منزلة الحفّاظ في الآخرة.

أما منزلتهم في الدنيا، فكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) [4] .

وأما منزلتهم عند الموت، فكما ورد عن جابر رضى الله عنه قال [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لقتلي أُحُدٍ: (أىُّ هؤلاء

(1) (مجموع الفتاوي) ج 4 ص 72 - 74

(2) رواه مسلم عن عمر رضى الله عنه

(3) رواه أبوداود والترمذى وقال حديث حسن صحيح عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما

(4) رواه مسلم عن أبى مسعود رضى الله عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت