أ - صفته: قال ابن القيم] مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به، فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومأخذه وأصوله، عارف بها، متمكن من التخريج عليها وقياس مالم ينص من ائتم به عليه على منصوصه من غير أن يكون مقلدًا لإمامه لافى الحكم ولا في الدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا ودعا إلى مذهبه ورتبه وقرره، فهو موافق له في مقصده وطريقه معا.
وقد ادعى هذه المرتبة من الحنابلة القاضى أبو يعلى والقاضى أبو على بن أبى موسى في شرح الإرشاد الذي له، ومن الشافعية خلق كثير، وقد اختلف الحنفية في أبى يوسف ومحمد وزُفَر بن الهذيل، والشافعية في المزنى وابن سريج وابن المنذر ومحمد بن نصر المروزى، والمالكية في أشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم وابن وهب، والحنابلة في أبي حامد والقاضى: هل كان هؤلاء مستقلين بالاجتهاد أو متقيدين بمذاهب أئمتهم؟ علي قولين، ومن تأمل أحوال هؤلاء وفتاويهم واختياراتهم علم أنهم لم يكونوا مقلدين لأئمتهم في كل ماقالوه، وخلافهم لهم أظهر من أن ينكر، وإن كان منهم المستقل والمستكثر، ورتبة هؤلاء دون رتبة الأئمة في الاستقلال بالاجتهاد [[1] .
ب - حكم فتواه: قال ابن الصلاح]إذا عرفت هذا ففتوى المنتسبين في هذه الحالة في حكم فتوى المجتهد المستقل المطلق، يُعمل بها ويُعتد بها في الإجماع والخلاف [[2] .
2 -المفتي المجتهد المقيد بمذهب من انتسب إليه لايتعداه إلى غيره:
أ - صفته: قال ابن القيم:] من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه، مقرر له بالدليل، متقن لفتاويه، عالم بها، لكن لا يتعدى أقواله وفتاويه ولا يخالفها، وإذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه إلى غيره البتة، وهذا شأن أكثر المصنفين في مذاهب أئمتهم، وهو حال أكثر علماء الطوائف، وكثير منهم يظن أنه لاحاجة به إلى معرفة الكتاب والسنة والعربية لكونه مجتزيا بنصوص إمامه، فهي عنده كنصوص الشارع، قد اكتفى بها من كلفة التعب والمشقة، وقد كفاه الإمام استنباط الاحكام ومؤنة استخراجها من النصوص، وقد يري إمامه ذكر حكما بدليله، فيكتفى هو بذلك الدليل من غير بحث عن معارض له.
وهذا شأن كثير من أصحاب الوجوه والطرق والكتب المطولة والمختصرة، وهؤلاء لايدَّعُون الاجتهاد، ولايقرون بالتقليد، وكثير منهم يقول: اجتهدنا في المذاهب فرأينا أقربها إلى الحق مذهب إمامنا، وكل منهم يقول ذلك عن إمامه، ويزعم أنه أولى بالاتباع من غيره، ومنهم من يغلو فيوجب اتباعه، ويمنع من اتباع غيره [[3] .
ب - حكم فتواه: قال ابن الصلاح]وعلى هذه الصفة كان أئمة أصحابنا، أو أكثرهم، ومن كان هذا شأنه فالعامل بفُتياه مقلد ٌُ لإمامه. لاله، لأن معوله على صحة إضافة مايقوله إلي إمامه، لعدم إستقلاله بتصحيح نسبته إلي الشارع، والله أعلم [[4] .
وقال ابن الصلاح أيضا:]الذي رأيته من كلام الأئمة يشعر بأن من كانت هذه حالته ففرض الكفاية لايتأدى به، ووجهه أن مافيه من التقليد نقص وخلل في المقصود، وأقول: إنه يظهر أنه يتأدى به فرض الكفاية في الفتوى، وإن لم
(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 212 - 213
(2) (أدب المفتى) ص 94
(3) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 213
(4) (أدب المفتى) ص 95