يتأد به فرض الكفاية في إحياء العلوم التي منها استمداد الفتوى، لأنه قد قام في فتواه مقام إمام مطلق، فهو يؤدى عنه ماكان يتأدى به الفرض حين كان حيًا قائما بالفرض فيها، والتفريع على الصحيح في أن تقليد الميت جائز [[1] .
(فائدة) أقسام المجتهدين:
تبين لك مما سبق ذكره من مراتب المفتين أن المجتهدين ثلاثة أقسام: المجتهد المطلق المستقل، والمجتهد المطلق غير المستقل، والمجتهد المقيد. والفرق بينهم على النحو التالي:
فكل من حصَّل علوم الاجتهاد الخمسة ولديه القدرة على استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية، فهو مجتهد.
فإذا لم يتقيد في الاستنباط بالأدلة التفصيلية لمذهب معين فهو مجتهد مطلق، وإن تقيد في الاستنباط بأدلة مذهب معين فهو مجتهد مقيد بهذا المذهب وإنما يتقيد هذا بأدلة مذهب ٍ ما لتقصيره في بعض علوم الاجتهاد خاصة الحديث واللغة.
والمجتهد المطلق الذي لم يتقيد بأدلة مذهب معين قسمان، فإن لم يتقيد في الاستنباط أيضا بقواعد مذهب معين بل استقل لنفسه بقواعد خاصة فهو المجتهد المطلق المستقل، وإن التزم قواعد مذهب معين في الاستنباط فهو المجتهد المطلق غير المستقل أو المجتهد المطلق المنتسب. وبهذا تعلم أن المجتهد المطلق أعم من المجتهد المستقل، فكل مجتهد مستقل هو مجتهد مطلق، وليس كل مجتهد مطلق مجتهدًا مستقلا.
فالذي يفرق بين المجتهد المطلق والمجتهد المقيد هو الالتزام بأدلة مذهب ٍ ما من عدمه.
أما الذي يفرق بين المجتهد المستقل وغير المستقل فهو الالتزام بقواعد مذهب ٍ ما في الاجتهاد والاستنباط من عدمه [2] .
وأما ترتيبهم حسب رتبتهم في الاجتهاد: فأعلاهم المجتهد المطلق المستقل، ويليه المجتهد المطلق غير المستقل ثم المجتهد المقيد.
واختلف العلماء في وجود أهل المرتبة الأولى في الدنيا بعد عصر أئمة المذاهب، فقال ابن الصلاح (643هـ) :]ومنذ دهر طويل طُوِيَ بساط المفتي المستقل المطلق، والمجتهد المستقل، وأفضى أمر الفتوى إلى الفقهاء المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة [[3] ، وعلى هذا القول أكثر العلماء. وخالف ابن القيم فقال:]إن الأرض لايجوز أن تخلو من قائم لله بحجةٍ، فلا يجوز أن تخلو من هذا الصنف [[4] .
قلت: والراجح - والله تعالى أعلم - هو قول الجمهور، وهو تعذر وجود المجتهد المطلق المستقل في المتأخرين، لأن الاستقلال شرطه أن يأتي بقواعد جديدة في الاستنباط والاجتهاد، فقواعده الجديدة إما أن تكون حقًا أو باطلا، فإن كانت باطلة فليس بمجتهد، وإن كانت حقًا فإما أن يكون قد قال بها بعض أئمة السلف وهو قد عمل بها قصدًا أو اتفاقا فهو ليس بمستقل، وإما أن تكون قواعده الجديدة لم يقل بها أحد من أئمة السلف فيكون مستقلًا وهذا ممتنع لأنه يعني أن ماقال به من حق قد غاب عن المتقدمين جميعهم، وهذا ممتنع للإجماع على أن الأمة لاتجتمع على ضلالة ولايغيب عنها الحق في عصر من العصور، قال السيوطي]فإن المستقل هو الذي استقل بقواعد لنفسه، يبني عليها الفقه خارجا عن قواعد المذاهب المقررة، وهذا شيء فُقد من دهر، بل لو أراده الإنسان اليوم لامتنع عليه ولم يجز له،
(1) (أدب المفتى) ص 96
(2) انظر (الرد على من أخلد إلى الأرض) للسيوطي، ص 112 - 116
(3) (أدب المفتي) ص 91
(4) (اعلام الموقعين) ج 2 ص 212