نصّ عليه غير واحد. قال ابن بَرهان في كتابه في الأصول: أصول المذاهب وقواعد الأدلة منقولة عن السلف، فلا يجوز أن يحدث في الأعصار خلافها [[1] .
ولا تلازم بين فقد المجتهد المستقل وانقطاع حجة الله على الخلق، فإن هذه الحجة تقوم بالمجتهد المطلق غير المستقل بل بمن دونه من كل عدلٍ ناقلٍ للعلم، والمجتهد المطلق المنتسب (غير المستقل) باق ٍ إلى أن تأتي أشراط الساعة الكبرى، ولا يجوز انقطاعه من الدنيا لاشرعا لأنه فرض كفاية ومتى قصّر أهل عصر حتى تركوه أثموا كلهم، كما لايجوز انقطاعه من الدنيا قدرًا لصدق خبره صلى الله عليه وسلم (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله) [2] ، وللإجماع على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، فلا تجتمع على ترك القيام بفرض الكفاية هذا.
أما فقد المجتهد المستقل فهو من نقص الخير في الدنيا وازدياد الشر، كما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) [3] ، وقول أنس رضي الله عنه [اصبروا، فإنه لايأتي عليكم يوم إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم] [4] . هذا والله تعالى أعلم.
3 -المفتى المقلد لمذهب من انتسب إليه.
وهذا هو الصنف الثالث من المفتين المنتسبين للمذاهب - بعد المجتهد المطلق المنتسب والمجتهد المقيد - وفي هذا الصنف نتكلم في أربع مسائل وهي: تعريف التقليد، وصفة المفتي المقلد، وهل يجوز للحي تقليد الميت؟، وحكم إفتاء المفتي المقلد.
أ - تعريف التقليد: سيأتي هذا بالتفصيل إن شاء الله في المسألة الثالثة عشرة في أحكام المستفتي - في الفصل التالي - ولهذا نذكره هنا إجمالا، فنقول:
التقليد: هو قبول قول مَنْ دون النبي صلى الله عليه وسلم بغير حجة.
والحجة: هي الدليل الشرعي، والمتفق عليه من الأدلة أربعة وهي الكتاب والسنة والإجماع المعتبر والقياس الصحيح على الكتاب أو السنة أو الإجماع.
وعلى هذا فالتقليد ليس علمًا، لأن العلم هو مادل عليه الدليل، والتقليد قبول قول بلا دليل. فالقائل بالتقليد: وهو المفتي المقلد قائل بغير علم، والعامل بالتقليد: وهو المستفتي المقلد عامل بغير علم [5] .
ب - صفة المفتي المقلد: يتبين من التعريف السابق أن المفتي المقلد هو مَنْ يفتي بقول غيره من غير معرفة دليله أي من غير علمٍ بصحته من فساده، ولايفعل ذلك عادة إلا ثقة بمن ينقل عنه.
ووصفه ابن القيم رحمه الله بقوله] طائفة تفقهت في مذاهب من انتسبت إليه، وحفظت فتاويه وفروعه، وأقرت على أنفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه، فإن ذكروا الكتاب والسنة يومًا مافي مسألة فعلى وجه التبرك والفضيلة لاعلى وجه الاحتجاج والعمل، وإذا رأوا حديثا صحيحا مخالفا لقول من انتسبوا إليه أخذوا بقوله وتركوا الحديث، وإذا رأوا أبابكر وعمر وعثمان وعليا وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم قد أفتوا بفتيا، ووجدوا لإمامهم فُتْيا تخالفها أخذوا بفتيا إمامهم
(1) إلى آخر ماذكره في (الرد على من أخلد إلى الأرض) ص 112 - 113
(2) الحديث متفق عليه
(3) الحديث متفق عليه
(4) الحديث رواه البخاري
(5) راجع: (جامع بيان العلم) لابن عبدالبر، 2/ 37 و 117 و 26، و (ارشاد الفحول) للشوكاني ص 246 - 247، و (اعلام الموقعين) لابن القيم 2/ 169