فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 1285

وتركوا فتاوي الصحابة، قائلين: الإمام أعلم بذلك منا، ونحن قد قلدناه فلا نتعداه ولانتخطاه، بل هو أعلم بما ذهب إليه منا [[1] .

ويتعلق بهذا القسم - المفتي المقلد - مسألتان، وهما: هل يجوز للحي تقليد الميت؟ وحكم فتوى هذا المفتي المقلد؟.

ج - هل يجوز للحي تقليد الميت؟.

وسبب بحث هذه المسألة هنا، أن المفتي المقلد غالبا سينقل فتاوى من مات من العلماء والفقهاء.

قال ابن القيم:]هل يجوز للحي تقليد الميت والعمل بفتواه من غير اعتبارها بالدليل الموجب لصحة العمل بها؟.فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد والشافعي، فمن منعه قال: يجوز تغيير اجتهاده لو كان حيا، فإنه كان يجدد النظر عند نزول هذه النازلة إما وجوبًا وإما استحبابًا، على النزاع المشهور، ولعله لو جَدَّد النظر لرجع عن قوله الأول. والثاني: الجواز، وعليه عمل جميع المقلدين في أقطار الأرض، وخيار مابأيديهم من التقليد تقليد الأموات، ومَنْ منع منهم تقليد الميت فإنما هو شئ يقوله بلسانه، وعمله في فتاويه وأحكامه بخلافه، والأقوال لاتموت بموت قائلها، كما لا تموت الأخبار بموت رُوَاتها وناقليها [[2] .

وقال ابن القيم أيضا]هل يجوز للمفتي تقليد الميت إذا علم عَدَالته وأنه مات عليها من غير أن يسأل الحي؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد والشافعي، أصحهما له ذلك، فإن المذاهب لاتبطل بموت أصحابها، ولو بطلت بموتهم لبطل مابأيدي الناس من الفقه عن أئمتهم، ولم يَسُغْ لهم تقليدهم والعمل بأقوالهم، وأيضًا لو بطلت أقوالهم بموتهم لم يُعْتَد بِهم في الإجماع والنزاع، ولهذا لو شهد الشاهدان ثم ماتا بعد الأداء وقبل الحكم بشهادتهما لم تبطل شهادتهما، وكذلك الراوي لاتبطل روايته بموته، فكذلك المفتي لاتبطل فتواه بموته [[3] .

د - حكم إفتاء هذا المفتي المقلد؟.

قال ابن القيم:]لايجوز للمقلد أن يفتي في دين الله بما هو مقلد فيه وليس على بصيرة فيه سوى أنه قول مَنْ قلده دينه، هذا إجماع من السلف كلهم، وصرح به الإمام أحمد والشافعي رضي الله عنهما وغيرهما[.

قال أبو عمرو بن الصلاح:]قطع أبو عبدالله الحَليِمي إمام الشافعيين بما وراء النهر والقاضي أبو المحاسن الروُّيَاني صاحبُ «بحر المذهب» وغيرهما بأنه لا يجوز للمقلد أن يفتي بما هو مقلد فيه.

وقال: وذكر الشيخ أبو محمد الجويني في شرحه لرسالة الشافعي عن شيخه أبي بكر القفال المروزي أنه يجوز لمن حفظ كلام صاحب مذهب ونصوصه أن يفتي به وإن لم يكن عارفًا بغوامضه وحقائقه، وخالفه الشيخ أبو محمد وقال: لايجوز أن يفتي بمذهب غيره إذا لم يكن متبحرا فيه عالما بغوامضه وحقائقه، كما لايجوز للعامِّي الذي جمع فتاوي المفتين أن يفتي بها، وإذا كان متبحرا فيه جاز أن يفتي به.

وقال أبو عمرو: من قال: «لا يجوز له أن يفتي بذلك» معناه لايذكره في صورة مايقوله من عند نفسه، بل يضيفه إلى غيره، ويحكيه عن إمامه الذي قلده، فعلى هذا مَنْ عددناه في أصناف المفتين المقلدين ليسوا على الحقيقة من المفتين، ولكنهم قاموا مقام المفتين، وادعوا عنهم فعُدّوا منهم، وسبيلُهم في ذلك أن يقولوا مثلا: مذهب الشافعي كذا وكذا،

(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 214

(2) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 215 - 216

(3) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 260 - 261. وذكر النووي مثله في (المجموع) 1/ 55، وابن حمدان في (صفة الفتوى) ص 70

واختار الشوكاني المنع من تقليد الحي للميت ونسبه إلى الرازي في المحصول والغزالي في المنخول (ارشاد الفحول) ص 250 - 251

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت