ومقتضى مذهبه كذا وكذا، وماأشبه ذلك، ومن ترك منهم إضافة ذلك إلى إمامه فإن كان ذلك اكتفاء منه بالمعلوم عن الصريح فلا بأس به[.
قال ابن القيم:]وماذكره أبو عمرو حسن، إلا أن صاحب هذه المرتبة يحرم عليه أن يقول «مذهب الشافعي» لما لايعلم أنه نصه الذي أفتي به، أو يكون شهرته بين أهل المذهب شهرة لا يحتاج معها إلى الوقوف على نصه - إلى أن قال - وأما قول الشيخ أبي عمرو «إن لهذا المفتي أن يقول هذا مقتضى مذهب الشافعي مثلا» فلعمر الله لايقبل ذلك من كل من نصب نفسه للفتيا حتى يكون عالمًا بمأخذ صاحب المذهب ومداركه وقواعده جمعا وفرقا، ويعلم أن ذلك الحكم مطابق لأصوله وقواعده بعد استفراغ وسعه في معرفة ذلك فيها إذا أخبر أن هذا مقتضى مذهبه كان له حكم أمثاله ممن قال بمبلغ علمه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها [[1] .
وقال ابن القيم]إن التقليد ليس علما، ولا تجوز الفتوى بغير علم لقوله تعالى (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) الإسراء: 36، فلا تجوز الفتوى بالتقليد، ثم قال (هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال لأصحاب أحمد:
أحدها: أنه لايجوز الفَتْوى بالتقليد: لأنه ليس بعلم، والفتوى بغير علم حرام، ولاخلاف بين الناس أن التقليد ليس بعلم، وأن المقلد لايُطْلَق عليه اسم عالم، وهذا قول أكثر الأصحاب وقول جمهور الشافعية.
والثاني: أن ذلك يجوز فيما يتعلق بنفسه، فيجوز له أن يقلد غيره من العلماء إذا كانت الفَتْوى لنفسه، ولايجوزأن يقلد العالم فيما يفتي به غيره، وهذا قول ابن بَطَّة وغيره من أصحابنا، قال القاضي: ذكر ابنُ بَطَّة في مكاتباته إلى البرمكي: لايجوز له أن يفتي بما سمع من يفتي، وإنما يجوز أن يقلد لنفسه، فأما أن يقلد لغيره ويفتي به فلا.
والقول الثالث: أنه يجوز ذلك عند الحاجة وعدم العالم المجتهد، وهو أصح الأقوال، وعليه العمل، قال القاضي: ذكر أبو حَفْص في تعاليقه قال: سمعت أبا علي الحسن بن عبدالله النجاد يقول: سمعت أبا الحسين بن بشران يقول: ماأعِيبُ على رجل يحفظ عن أحمد خمسَ مسائل استند إلى بعض سَوَاري المسجد يفتي بها [[2] .
ويوافق القول الثالث والذي اختاره ابن القيم ما قاله ابن دقيق العيد رحمه الله]توقيف الفتيا على حصول المجتهد يفضي إلى حرج عظيم أو استرسال الخلق في أهويتهم، فالمختار أن الراوي عن الأئمة المتقدمين إذا كان عدلًا متمكنا من فهم كلام الإمام ثم حكى للمقلد قوله فإنه يكتفي به، لأن ذلك مما يغلب على ظن العامي أنه حكم الله عنده، وقد انعقد الإجماع في زماننا على هذا النوع من الفتيا [[3] .
قلت: وهو كما قال الشوكاني، وأضيف أن الإجماع لايصح إذا خالف النص، وقد دلت النصوص على تحريم الفتيا بغير علم أي بالتقليد، فالفتوى بالتقليد لاتجوز في الأصل، وإنما تجوز كاستثناء للضرورة كما قال ابن القيم]يجوز ذلك عند الحاجة وعدم العالم المجتهد، وهو أصح الأقوال [. وفي هذه الحالة يكون المقلد الذي يفتي - كما قال الشيخ عزالدين
(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 195 - 196، ومانقله عن ابن الصلاح مذكور (بأدب المفتي) ص 101 - 103. وأما الأعلام المذكورون فهم: الحَليِمي سبق ذكره. وأبو المحاسن عبدالواحد بن إسماعيل الرُّوَّياني من أئمة فقهاء الشافعية ت 502هـ. وأبو محمد الجويني هو والد إمام الحرمين ت 438هـ. وأبو بكر القفَّال المروزي عبدالله بن أحمد، شيخ الشافعية بخراسان، وهو القفال الصغير وليس هو القفال الكبير، ت 417 هـ
(2) (اعلام الموقعين) ج 1 ص 45 - 46
(3) نقله عنه الشوكاني واستنكره خاصة قوله (انعقد الإجماع) وقال الشوكاني إن الذين أجمعوا على هذا هم المقلدون لا المجتهدون، والمقلد ليس عالما فلا عبرة بإجماعه (إرشاد الفحول) ص 251 - 252