7 -الشوكاني رحمه الله، بعدما عرض أقوال من أجاز تجزئة الاجتهاد وهم الأكثر، ومن منع منه، قال كلاما قريبا من كلام ابن تيمية وهو إنه وإن جاز تجزئة الاجتهاد إلا أنه لابد لمن يجتهد في مسألة من أن يستوفي العلوم اللازمة للاجتهاد، فقال:] ولا فرق عند التحقيق في امتناع تجزي الاجتهاد فإنهم قد اتفقوا على أن المجتهد لايجوز له الحكم بالدليل حتى يحصل له غلبة الظن بحصول المقتضي وعدم المانع وإنما يحصل ذلك للمجتهد المطلق، وأما من ادعى الاحاطة بما يحتاج إليه في باب دون باب أو في مسألة دون مسألة فلا يحصل له شئ من غلبة الظن بذلك لأنه لايزال يجوز الغير ماقد بلغ إليه علمه فإن قال قد غلب ظنه بذلك فهو مجازف وتتضح مجازفته بالبحث معه [[1] . فالشوكاني ذهب إلى أبعد مما قاله ابن تيمية، فأجاز تجزئة الاجتهاد في الصورة ونفاه في الحقيقة إذ قصره على المجتهد المطلق، وهذا خلاف المقصود الذي ذهب إلى جوازه أكثر العلماء، والله أعلم.
فهذا ما يتعلق بحكم إفتاء المجتهد في باب أو في مسألة من مسائل الفقه.
المرتبة الرابعة: من تفقّه وقرأ كتابا من كتب الفقه، هل يجوز له أن يفتي؟
قال ابن الصلاح:]إن قلت: من تفقه وقرأ كتابًا من كتب المذهب، أو أكثر، وهو مع ذلك قاصر لم يتصف بصفة أحد من أصناف المفتين الذين سبق ذكرهم، فإذا لم يجد العامي في بلده غيره فرجوعه إليه أولى من أن يبقى في واقعته مرتبكا في حيرته.
قلت: إن كان في غير بلده مُفت ٍ يجدُ السبيل إلى استفتائه فعليه التوصل إلى استفتائه بحسب إمكانه، على أن بعض أصحابنا، ذكر أنه إذا شغرت البلدة عن المفتين فلا يحل المقام فيها، وإن تعذر ذلك عليه ذكر مسألته للقاصر المذكور، فإن وجد مسألتهُ بعينها مسطورة في كتاب ٍ موثوق ٍ بصحته، وهو ممن يقبل خبره، نقل له حكمها بنصه، وكان العامي في ذلك مقلدا ً لصاحب المذهب، وهذا وجدته في ضمن كلام بعضهم، والدليل يعضده، ثم لايعد هذا القاصر بأمثال ذلك من المفتين، ولامن الأصناف المذكورة المستعار لهم سمة المفتين.
وإن لم يجد مسألته بعينها ونصها مسطورة فلا سبيل له إلى القول فيها قياسًا على ما عنده من المسطورة، وإن اعتقده من قبيل قياس لافارق الذي هو نحو قياس الأمة على العبد في سراية العُتق، لأن القاصر معرض لأن يعتقد ما ليس من هذا القبيل داخلًا في هذا القبيل، وإنما استتب إلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق في حق من عرف مصادر الشرع ومواردهُ في أحكام العتق بحيث استبان له أنه لافرق في ذلك بين الذكر والأنثى، والله أعلم [[2] .
وقال ابن القيم]إذا تفقه الرجل وقرأ كتابًا من كتب الفقه أو أكثر وهو مع ذلك قاصر في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف والاستنباط والترجيح فهل يسوغ تقليده في الفتوى؟ فيه للناس أربعة أقوال: الجواز مطلقًا، والمنع مطلقًا، والجواز عند عدم المجتهد ولايجوز مع وجوده، والجواز إن كان مُطلعًا على مأخذ من يفتي بقولهم والمنع إن لم يكن مطلعًا.
والصواب فيه التفصيل، وهو أنه إن كان السائل يمكنه التوصل إلى عالم يهديه السبيل لم يحل له استفتاء مثل هذا، ولايحل لهذا أن ينسب نفسه للفتوى مع وجود هذا العالم، وإن لم يكن في بلده أو ناحيته غيره بحيث لايجد المستفتي من يسأله سواه فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من أن يقدم على العمل بلا علم، أو يبقى مرتبكا في حيرته مترددا في عماه وجهالته، بل هذا هو المستطاع من تقواه المأمور بها.
(1) (ارشاد الفحول) ص 237
(2) (أدب المفتي) ص 104