والأصحُّ أن ذلك لايختص بباب المواريث، والله أعلم [[1] .
4 -ابن تيمية رحمه الله قال:]والاجتهاد ليس هو أمرًا واحدًا لايقبل التجزي والانقسام، بل قد يكون الرجل مجتهدًا في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة، وكل أحد فاجتهاده بحسب وسعه [[2] .
إلا أن ابن تيمية أشار إلى أن هذا لا يتأتي إلا لمن حَصَّل العلوم اللازمة للاجتهاد، فقال:]وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل جاز له الاجتهاد فإن الاجتهاد منصب يقبل التجزي والانقسام، فالعبرة بالقدرة والعجز، وقد يكون الرجل قادرًا في بعض عاجزًا في بعض، لكن القدرة على الاجتهاد لاتكون إلا بحصول علوم تفيد معرفة المطلوب، فأما مسألة واحدة من فن فيبعد الاجتهاد فيها، والله سبحانه أعلم [[3] .
5 -ابن القيم رحمه الله قال:]الاجتهاد حالة تقبل التجزُّؤ والانقسام، فيكون الرجل مجتهدًا في نوع من العلم مقلدا في غيره، أو في باب من أبوابه. كمن استفرع وُسعه في نوع العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد أو الحج، أو غير ذلك، فهذا ليس له الفَتْوى فيما لم يجتهد فيه، ولاتكون معرفته بما اجتهد فيه مُسَوغة له الإفتاء بمالا يعلم في غيره، وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها الجواز، بل هو الصواب المقطوع به. والثاني: المنع. والثالث: الجواز في الفرائض دون غيرها.
فحجة الجواز أنه قد عرف الحق بدليله، وقد بذل جهده في معرفة الصواب، فحكمه في ذلك حكم المجتهد المطلق في سائر الأنواع.
وحجة المنع تعلق أبواب الشرع وأحكامه بعضها ببعض، فالجهل ببعضها مظنة للتقصير في الباب والنوع الذي قد عرفه، ولايخفى الارتباط بين كتاب النكاح والطلاق والعدَّة وكتاب الفرائض، وكذلك الارتباط بين كتاب الجهاد ومايتعلق به، وكتاب الحدود والأقضية والأحكام، وكذلك عامة أبواب الفقه.
ومن فرق بين الفرائض وغيرها رأي انقطاع أحكام قسمة المواريث ومعرفة الفروض ومعرفة مستحقها عن كتاب البيوع والإجارات والرهون والنِّضَال وغيرها، وعدم تعلقاتها، وأيضًا فإن عامة أحكام المواريث قَطْعية، وهي منصوص عليها في الكتاب والسنة.
فإن قيل: فما تقولون فيمن بذل جهده في معرفة مسألة أو مسألتين، هل له أن يفتي بهما؟
قيل: نعم يجوز في أصح القولين، وهما وجهان لأصحاب الإمام أحمد، وهل هذا إلا من التبليغ عن الله وعن رسوله، وجزي الله من أعان الإسلام ولو بشطر كلمة خيرًا، ومَنْعُ هذا من الإفتاء بما عَلِم خطَأ محض، وبالله التوفيق [[4] .
6 -ونقل السيوطي عن شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني قوله]المُوَلّي في واقعة معينة يكفيه أن يعرف الحكم فيها بطريق الاجتهاد المعلَّق بتلك الواقعة، بناء على أن الاجتهاد يتجزأ وهو الأرجح). ثم قال السيوطي (وكذا كل من ولاّه الإمام في جزئية معينة لايشترط فيه إلا الاجتهاد المتعلق بتلك الجزئية فقط، هذا مجموع كلام العلماء في ذلك [[5] .
(1) (أدب المفتي) ص 89 - 91. وابن بَرهَان هو أبو الفتح أحمد بن علي بن بَرْهان الأصولي فقيه شافعي، ت 518. وابن الصبّاغ هو أبو نصر عبدالسيد بن محمد بن عبدالواحد بن الصَّبَّاغ، من كبار أئمة الشافعية، ت 477 هـ
(2) (مجموع الفتاوي) ج 20 ص 212
(3) (مجموع الفتاوي) ج 20 ص 204
(4) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 216 - 217
(5) (الرد على من أخلد إلى الأرض) ص 88 و 96