فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 1285

وحكم الدين ولم يكن أحد منهم يستوعب جميع ذلك، لأنه قد كان تنزل بعدهم الآيات والأحكام: بيان صحيح بأن العلماء وإنْ فاتهم كثير من العلم فإن لهم أن يفتوا ويقضوا بما عرفوا.

وفي هذا الباب أيضا بيان جلي على أن من علم شيئا من الدين علمًا صحيحًا فله أن يفتي به، وعليه أن يطلب علم ماجهل مما سوى ذلك. ومن علم أن في المسألة التي نزلت حديثا قد فاته، لم يحل له أن يفتي في ذلك حتى يقع على ذلك الحديث [[1] .

وقول ابن حزم]ولم يكن أحد منهم يستوعب جميع ذلك يعنى الصحابة رضي الله عنهم، وقد بَوَّب البخاري رحمه الله لهذه المسألة في كتاب الاعتصام من صحيحه في باب (الحجة على من قال إن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة، وماكان يغيب بعضهم عن مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأمور الإسلام) [[2] ، وأقام فيه البخاري الأدلة على أن بعض السُّنن كانت تخفى على بعض الصحابة ويعلمها غيرهم لتفاوت ماعندهم من العلم، وكانوا - مع ذلك - يُفتون فيما علموه، وهذه حجة لمن أجاز تجزئة الاجتهاد وجواز الإفتاء معه، كما احتج بذلك ابن حزم رحمه الله.

2 -أبو حامد الغزالي رحمه الله - بعدما ذكر علوم المجتهد - قال:]دقيقة في التخفيف يغفل عنها الأكثرون اجتماع هذه العلوم الثمانية إنما يشترط في حق المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الشرع، وليس الاجتهاد عندي منصبًا لايتجزأ، بل يجوز أن يقال للعالم بمنصب الاجتهاد في بعض الأحكام دون بعض، فمن عرف طريق النظر القياسي فله أن يفتي في مسألة قياسية وإن لم يكن ماهرًا في علم الحديث، فمن ينظر في مسألة المشتركة يكفيه أن يكون فقيه النفس عارفا بأصول الفرائض ومعانيها وإن لم يكن قد حصل الأخبار التي وردت في مسئلة تحريم المسكرات أو في مسئلة النكاح بلا ولي فلا استمداد لنظر هذه المسئلة منها ولاتعلق لتلك الأحاديث بها فمن أين تصير الغفلة عنها أو القصور عن معرفتها نقصًا؟، ومن عرف أحاديث قتل المسلم بالذمي وطريق التصرف فيه فما يضره قصوره عن علم النحو الذي يعرِّف قوله تعالى (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) المائدة: 6 وقس عليه ما في معناه، وليس من شرط المفتي أن يجيب عن كل مسئلة فقد سُئل مالك رحمه الله عن أربعين مسئلة فقال في ستة وثلاثين منها لا أدري، وكم توقف الشافعي رحمه الله بل الصحابة في المسائل فإذًا لايشترط إلا أن يكون على بصيرة فيما يفتي، فيفتي فيما يدري ويدري أنه يدري، ويميز بين مالا يدري وبين ما يدري، فيتوقف فيما لايدري ويفتي فيما يدري [[3] .

3 -ابن الصلاح رحمه الله - بعد ماذكر علوم المجتهد المستقل - قال:]إنما يُشترط اجتماع العلوم المذكورة في المفتي المطلق في جميع أبواب الشرع، أما المفتي في باب خاصٍ من العلم، نحو علم المناسك، أو علم الفرائض، أو غيرهما. فلا يشترط فيه جميع ذلك، ومن الجائز أن ينال الإنسان منصب الفتوى والاجتهاد في بعض الأبواب دون بعض، فمن عرف القياس وطرقه وليس عالمًا بالحديث فله أن يفتي في مسائل قياسية يعلم أنه لاتعلق لها بالحديث. ومن عرف أصول المواريث وأحكامها جاز أن يفتي فيها، وإن لم يكن عالمًا بأحاديث النكاح، ولا عارفًا بما يجوز له الفتوى في غير ذلك من أبواب الفقه. قطع بجواز هذا الغزالي، وابن بَرهان، وغيرهما. ومنهم من منع من ذلك مُطلقًا. وأجازه أبو نصر بن الصَّبَّاغ، غير أنه خصصه بباب المواريث. قال: لأن الفرائض لا تنبني على غيرها من الأحكام، فأما ماعداها من الأحكام فبعضه مرتبط ببعض.

(1) (الإحكام) ج 5 ص 127 - 128

(2) (فتح الباري) ج 13/ 320

(3) (المستصفى) ج 2 ص 353 - 354

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت