ومال ابن القيم إلى ترجيح الوجه الثاني أي الجواز إن كان الدليل كتابًا أو سنة، فقال] إذا عرف العامي حكم حادثة بدليلها فهل له أن يفتي به ويسوغ لغيره تقليده فيه؟ ففيه ثلاثة أوجه للشافعية وغيرهم، أحدها: الجواز، لأنه قد حصل له العلم بحكم تلك الحادثة عن دليلها كما حصل للعالم، وإن تميز العالم بقوة يتمكن بها من تقرير الدليل ودفع المعارض له، فهذا قدر زائد على معرفة الحق بدليله. والثاني: لا يجوز ذلك مطلقًا، لعدم أهليته للاستدلال، وعدم علمه بشروطه ومايعارضه، ولعله يظن دليلا ما ليس بدليل. والثالث: إن كان الدليل كتابًا أو سنة جاز له الإفتاء، وإن كان غيرهما لم يجز، لأن القرآن والسنة خطاب لجميع المكلفين، فيجب على المكلف أن يعمل بما وصل إليه من كتاب ربه تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويجوز له أن يرشد غيره إليه ويدله عليه [[1] .
ثانيا: العامي إذا عرف حكم حادثة على سبيل التقليد.
أي بغير حجة ولا دليل وإنما يحفظ فتوى المفتي في الحادثة. ولا خلاف في أن هذا العامي ليس له أن يفتي، ويجوز أن يُخبر بالفتوى، قال الخطيب البغدادي]ومتى أفتى فقيه رجلًا من العامة بفتوى، فواسع للعامي أن يُخبر بها، فأما أن يفتي هو فلا [[2] .
وقد أشرت إلى هذه المسألة في الفصل الثالث من الباب الثالث عند الكلام في واجب العامي في تبليغ العلم، وأن من صور تبليغه العلم إفتاءه أحيانا، وهي المرتبة السادسة من مراتب المفتين، وعلى الحقيقة فإن هذا ليس مفتيًا ولكنه ناقلٌ للعلم ومُبلغٌ له، ويجب على العامي أن يحتاط فلا ينسب الفتوى لنفسه بل ينبه على أنه ناقل للدليل أو لفتوى عالم، فيقول سمعت فيها من الشيخ فلان كذا وكذا، أو يقول قرأت فيها في كتاب كذا: كذا وكذا. وهذا جائز للضرورة عندما لايجد المستفتي أحدًا يفتيه إلا هذا العامي.
وقال الشاطبي]إنه عند خلو الزمان عن المجتهدين يتنزل النقل عن المجتهدين منزلة وجود المجتهدين [[3] . وهذا الكلام يجري على كل من نقل عن المجتهدين سواء كان هذا العامي المذكور هنا، أو كان المفتي المقلد المذكور في المرتبة الثانية، أو كان المتفقه من الكتب المذكور في المرتبة الرابعة.
المرتبة السابعة: إذا لم يجد المستفتي أحدًا يفتيه ألبتّه.
أي لم يجد المستفتي أحدًا ممن ذكرناهم في المراتب الست السابقة، لا في بلده ولا في غيره، ولا يمكنه التوصل لأحد يفتيه، فما الواجب في حقه؟.
ذهب فقهاء الشافعية كإمام الحرمين وابن الصلاح وتابعه النووي إلى أنه لاتكليف عليه، ويفعل مايشاء، كمن لم تبلغه الدعوة، ولامؤاخذة عليه، وكذلك قال الشاطبي من المالكية.
وذهب ابن القيم إلى أنه يتقي الله مااستطاع ويفعل مايغلب على ظنه أنه الحق والصواب، فإن للحق أمارات، فإن لم يتبين له شئ فالأمر كما قال فقهاء الشافعية أعلاه.
(فائدة) خُلُوْ الأرض من الفقهاء المجتهدين فمن دونهم من المفتين يمكن أن يقع في إحدى صورتين:
(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 198 - 199
(2) (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 194
(3) انظر كتابه (الاعتصام) ج 2 ص 266، ط دار المعرفة 1402هـ