الصورة الأولى: الخُلُوّ المطلق، وذلك بانعدام وجود هؤلاء في جميع أقطار الأرض في نفس الوقت، وهذه الصورة لاتقع أبدًا إلا قبيل قيام الساعة بعد ظهور علامات الساعة الكبرى، وعلى التحديد بعدما تهب الريح الطيبة التي تقبض أرواح جميع المؤمنين ثم يبقى شرار الخلق عليهم تقوم الساعة، كما في الحديث الذي رواه مسلم عن عبدالله بن عمرو، وهذا بعد نزول عيسى عليه السلام وموته بعد قتله للمسيح الدجال وبعد طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة إذ يتميزالمؤمن من الكافر، أما قبل هبوب هذه الريح فالعلم والعلماء باقون في الدنيا ولو على الندرة، وبهم تبقى حجة الله قائمة كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم (لاتزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لايضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس) [1] ، و (أمر الله) هو الريح الطيبة المذكورة، وفي الرواية الأخرى (حتى تقوم الساعة) أي قرب قيامها.
الصورة الثانية: الخُلُوّ النسبي، وذلك بانعدام وجود المجتهدين والمفتين في بقعة من الأرض، مع وجودهم في بقعةأخرى، وهذه الصورة جائزة الحدوث في أي وقت، وهي المقصودة بالبحث في مسألتنا هذه، ومثالها ماسمعته من بعض من ذهبَ إلى بلاد أوربا الشرقية هذه الأيام (أول عام 1412هـ) وبعد تحررها من سيطرة روسيا الشيوعية، أن الحكم الشيوعي بهذه البلاد كبولندا كان قد اتبع سياسة أدت إلى انقراض الأئمة والفقهاء بهذه البلاد مع منعه سفر المواطنين إلى الخارج، فأصبح المسلمون بهذه البلاد يقرّون بالشهادتين مع جهلهم التام بتفاصيل أحكام الشريعة وعجزهم عن الاستفتاء، فهذه صورة للمسألة المفترضة هنا، وهذا من الجهل الذي يُعذر به صاحبه لعدم التمكن من العلم، حتى أن المسلمات كن يتزوجن الرجال النصارى، وكان المسلمون يصلون في يومٍ واحد ٍ من الشهر ركعتين عن كل يوم من الشهر المنصرم، يرون هذا الدين.
وقد افترض إمام الحرمين صورة مشابهة لهذا وهي صورة قوم ٍ منقطعين بجزيرة من الجزر، وستأتي في كلامه إن شاء الله.
ونذكر فيما يلي أقوال من أشرنا إليهم: إمام الحرمين، فابن الصلاح، والنووي مثله، فالشاطبي. ثم قول ابن القيم. ثم نختم المسألة بقول ابن تيمية فيها.
قال إمام الحرمين الجويني رحمه الله - «في خُلُوِّ الزمان عن أصول الشريعة» - قال] ومضمون هذه المرتبة تقديرُ دروس أصول الشريعة، وقد ذهبت طوائف من علمائنا إلى أن ذلك لايقع، فإن أصول الشريعة تبقى محفوظة على ممر الدهور، إلى نفخة الصور، واستمسكوا بقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر: 9.
وهذه الطريقة غيرُ مرضية، والآية في حفظ القرآن في التحريف والتبديل، والتصريف والتحويل، وقد وردت أخبار في انطواء الشريعة، وانطماس شرائع الإسلام، واندراس معالم الأحكام، بقبض العلماء، وقد قال صلى الله عليه وسلم «سيقبض العلم حتى يختلف الرجلان في فريضة، ولا يجدان من يعرف حكم الله تعالى فيها» - إلى أن قال - فإن فُرض ذلك قَدَّمنا على غرضنا من ذلك صورة ً. وهي أن طائفة في جزيرة من الجزائر، لو بلغتهم الدعوة، ولاحت عندهم دلالة النبوة، فاعترفوا بالوحدانية والنبوة، ولم يقفوا على شئ من أصول الأحكام، ولم يستمكنوا من المسير إلى علماء الشريعة، فالعقول على مذاهب أهل الحق لا تقتضي التحريم والتحليل، وليس عليها في مدرك قضايا التكليف تعويل - إلى أن قال - فمقدارُ الغرض فيه الآن أن الذين فرضنا الكلام فيهم لايلزمهم إلا اعتقاد التوحيد ونبوة النبي المبتعث، وتوطين النفس على التوصل إليه في مستقبل الزمان، مهما صادفوا أسباب الإمكان، ولسنا ننكر أن عقولهم تستحثهم في قضيات
(1) الحديث متفق عليه