نصب الله تعالى على الحق أمارات كثيرة، ولم يسوِّ الله سبحانه وتعالى بين مايحبه وبين مايسخطه من كل وجه بحيث لايتميز هذا من هذا، ولابد أن تكون الفطر السليمة مائلة إلى الحق، مؤثرة له، ولابد أن يقوم لها عليه بعض الأمارات المرجحة ولو بمنام أو بإلهام، فإن قدر ارتفاع ذلك كله وعدمت في حقه جميع الأمارات فهنا يسقط التكليف عنه في حكم هذه النازلة، ويصير بالنسبة إليها كمن لم تبلغه الدعوة، وإن كان مكلفًا بالنسبة إلى غيره، فأحكام التكليف تتفاوت بحسب التمكن من العلم والقدرة، والله أعلم [[1] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله]وفي أوقات الفترات، وأمكنة الفترات: يُثاب الرجل على مامعه من الإيمان القليل، ويغفر الله فيه لمن لم تقم الحجة عليه مالا يغفر به لمن قامت الحجة عليه، كما في الحديث المعروف: «يأتي على الناس زمان لايعرفون فيه صلاة، ولاصياما، ولاحجا، ولاعمرة، إلا الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة. ويقولون: أدركنا آباءنا وهم يقولون لا إله إلا الله» فقيل لحذيفة بن اليمان: ماتغني عنهم لا إله إلا الله؟ فقال: تنجيهم من النار [[2] .
وقال ابن تيمية أيضا:]وبالجملة لا خلاف بين المسلمين أن من كان في دار الكفر وقد آمن وهو عاجز عن الهجرة لا يجب عليه من الشرائع ما يعجز عنها بل الوجوب بحسب الامكان، وكذلك مالم يعلم حكمه، فلو لم يعلم أن الصلاة واجبة عليه وبقي مدة لم يُصَلِّ لم يجب عليه القضاء في أظهر قولي العلماء، وهذا مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد.
وكذلك سائر الواجبات من صوم شهر رمضان وأداء الزكاة وغير ذلك. ولو لم يعلم تحريم الخمر فشربها لم يُحَدّ باتفاق المسلمين، وإنما اختلفوا في قضاء الصلوات. وكذلك لو عَامَل بما يستحله من ربا أو مَيْسر ثم تبين له تحريم ذلك بعد القبض: هل يفسخ العقد أم لا؟ كما لانفسخه لو فعل ذلك قبل الإسلام. وكذلك لو تزوج نكاحا يعتقد صحته على عادتهم، ثم لما بلغته شرائع الإسلام رأى أنه قد أخل ببعض شروطه، كما لو تزوج في عدة وقد انقضت، فهل يكون هذا فاسدًا أو يقر عليه؟ كما لو عقده قبل الإسلام ثم أسلم.
وأصل هذا كله أن الشرائع هل تلزم من لم يعلمها أم لاتلزم أحدًا إلا بعد العلم؟ أم يفرق بين الشرائع الناسخة والمبتدأة؟ هذا فيه ثلاثة أقوال - إلى أن قال - والصواب في هذا الباب كله: أن الحكم لايثبت إلا مع التمكن من العلم، وأنه لايقضي مالم يَعلم وجوبه [[3] .
فهذه أقوال العلماء في المسألة (مايفعل المستفتي إذا لم يجد من يفتيه البته؟.) ، والقول الذي نطمئن إليه هو قول ابن القيم: أن المرء يتقي الله مااستطاع ويفعل مايظنه الحق، فإن عجز عن ذلك فلا تكليف عليه. فابن القيم لم يُسقط عنه التكليف ابتداء وإنما ألزمه بتحري الصواب قبل ذلك. وهذا هو ما تشهد له الأدلة الشرعية كما يلي:
1 -فقوله إنه يتقي الله مااستطاع ويتحري الصواب، يشهد له قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن: 16، وقال ابن القيم إن الله قد جعل على الحق أمارات، وهذا يشهد له حديث وابصة بن مَعْبَد مرفوعا (البر مااطمأنت له النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ماحاك في النفس وتردد في الصدر) [4] [[5] .
(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 219 - 220
(2) (مجموع الفتاوي) ج 35 ص 165. وذكر شيخ الإسلام مثله في (مجموع الفتاوي) ج 11 ص 407 - 408
(3) (مجموع الفتاوي) ج 19 ص 225 - 226
(4) قال النووي في الأربعين: حديث حسن رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن.، وتعقبه الحافظ ابن رجب الحنبلي بتضعيف هذا الحديث وبين سبب ضعفه، ثم قال ابن رجب وقد روى هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة وبعض طرقه جيدة فخرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من طريق يحيي بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور عن أبي أمامة قال «قال رجل: يارسول الله ماالإثم؟ قال إذا حاك في صدرك شئ فدعه» وهذا إسناد جيد على شرط مسلم، فإنه خرج حديث يحيي بن كثير عن زيد بن سلام، وأثبت أحمد سماعه منه وإن أنكره ابن معين. وخرج الإمام أحمد من رواية عبدالله بن العلاء بن زيد قال: سمعت مسلم بن مسلم قال: سمعت أبا ثعلبة الخشني يقول «قلت يارسول الله أخبرني ما يحل لي وما يحرم عليّ، قال: البر ماسكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم مالم تسكن إليه النفس ولايطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون» وهذا أيضا إسناد جيد، وعبدالله بن العلاء بن زبير ثقة مشهور، وخرجه البخاري=
=ومسلم ابن مسلم ثقة مشهور أيضا - إلى أن قال ابن رجب: - وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «الإثم حَزَّاز القلوب» ، واحتج به الإمام أحمد، ورواه عن جرير عن منصور عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال عبدالله «إياكم وحزائز القلوب، وماحزّ في قلبك فدعه» قال أبو الدرداء «الخير في طمأنينة، والشر في ريبة» . وروى ابن مسعود من وجه منقطع أنه قيل له: أرأيت شيئا في صدورنا لاندري حلال هو أم حرام؟ فقال «وإياكم والحكاكات فإنهن الإثم» والحك والحزّ متقاربان في المعنى، والمراد ماأثر في القلب ضِيقا وحَرَجًا ونفورا وكراهة
(5) (جامع العلوم والحكم) لابن رجب، ط دار الفكر، ص 219 - 220