فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 1285

وهذه النصوص يعضد بعضها بعضًا تشهد بأن للحق أمارات ومنها سكينة النفس وطمأنينة القلب، وللإثم أمارات ومنها ضيق القلب وتحرّجه. فإذا عدم المرء من يفتيه فليستفت قلبه.

2 -فإن لم يهتد المرء إلى شيء يميز به، فالأمر كما قال فقهاء الشافعية وغيرهم: إنه لاتكليف عليه وليفعل ما شاء في نازلته، وحكمه حكم من لم يبلغه الخطاب دون تقصير من جهته. وقد نزلت كثير من الشرائع ولم يعلم بها المسلمون الذين كانوا بالحبشة ومنهم من لم يعد إلى المدينة إلا في السنة السابعة (عام خيبر) ولم يؤاخذوا بما لم يبلغهم، ولم يكلفوا بقضاء شئ من ذلك. كما قال ابن تيمية رحمه الله إن من الأحوال المانعة من وجوب قضاء مافات من الواجبات: الجهل الذي يُعذر به لعدم بلوغ الخطاب [1] . وقد قال الله تعالى (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) النساء: 98 - 99.

فهذا ماأراه في هذه المسألة: أن العاجز عجزًا حقيقيًا عن معرفة الشرع - لاعن تقصير في السؤال ولو بالارتحال - أنه يتقي الله مااستطاع ويتحرى الحق والصواب، فإن عجز فلا تكليف عليه، ولا إثم عليه، قال تعالى (فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) النساء: 99، والله تعالى أعلم.

هذا ما يتعلق بالمستفتي إذا لم يجد أحدًا يفتيه. وبهذا ينتهي الكلام في مراتب المفتين، ونختمه بفائدتين:

(الفائدة الأولى) وهي في حق المفتي، وهي (وجوب التَّوثق من الكتاب)

وقد أشرنا إلى هذه الفائدة عند الكلام في الوجادة في الفصل الثالث من الباب الثالث، وقال النووي رحمه الله] لا يجوز لمن كانت فتواه نقلا لمذهب إمام إذا اعتمد الكتب أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته وبأنه مذهب ذلك الإمام. فإن وثق بأن أصل التصنيف بهذه الصفة لكن لم تكن هذه النسخة معتمدة فليستظهر بنسخ منه متفقة. وقد تحصل له الثقة من نسخة غير موثوق بها في بعض المسائل إذا رأي الكلام منتظما وهو خبير فَطِن لايخفى عليه لدربته موضع الاسقاط والتغيير.

فإن لم يجده إلا في نسخة غير موثوق بها، فقال أبو عمرو ينظر فإن وجده موافقا لأصول المذهب وهو أهل لتخريج مثله في المذهب لو لم يجده منقولا فله أن يفتي به فإن أراد حكايته عن قائله فلا يقل قال الشافعي مثلا كذا وليقل وجدت

(1) راجع (مجموع الفتاوي) ج 22 ص 23 و ص 40 ومابعدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت