فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 1285

فالجواب أنه إن اعتبر هذا الاحتمال في نصب أفعاله حجة للمستفتي فليعتبرمثله في نصب أقواله، فإنه يمكن فيها الخطأ والنسيان والكذب عمدًا وسهوًا لأنه ليس بمعصوم، ولما لم يكن ذلك معتبرا في الأقوال لم يكن معتبرا في الأفعال ولأجل هذا تُستعظم شرعًا زلة العالم كما تبين في هذا الكتاب وفي باب البيان. فحق على المفتي أن ينتصب للفتوى بفعله وقوله، بمعنى أنه لابد له من المحافظة على أفعاله حتى تجري على قانون الشرع ليتّخَذَ فيها أسوة.

«وأما الإقرار» فراجع إلى الفعل، لأن الكف فعل، وكفُّ المفتي عن الإنكار إذا رأي فعلا من الأفعال كتصريحه بجوازه. وقد أثبت الأصوليون ذلك دليلًا شرعيًا بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكذلك يكون بالنسبة إلى المنتصب للفتوى. وماتقدم من الأدلة في الفتوى الفعلية جارٍ هنا بلا إشكال ومن هنا ثابر السلف على القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يبالوا في ذلك بما ينشأ عنه من عود المضرَّات عليهم بالقتل فما دونه. ومن أخذ بالرخصة في ترك الإنكار فرّ بدينه واستخفى بنفسه، مالم يكن ذلك سببًا للإخلال بما هو أعظم من ترك الإنكار، فإن ارتكاب خير الشرين أولى من ارتكاب شرهما [[1] .

قلت: اشتمل كلام الشاطبي رحمه الله على صواب وخطأ:

أما صوابه: فقوله إن الفتوى تكون بالقول، وبالفعل الذي يُقصد به الإفهام كإشارة اليد والرأس، وبالفعل الذي يُقصد به البيان والإعلام كأن يتوضأ المفتي ليعلم الجاهل كيفية الوضوء، فهذا كله صواب.

وأما الخطأ: فقوله إن أفعال المفتي التي لايُقصد بها إفهام المستفتي أو تعليمه أنها حجة شرعية، وكذلك قوله في إقرار المفتي بسكوته عما يسمعه أو يراه. فليس شئ من هذا حجة شرعية، وهناك فرق بين مايجب أن تكون عليه أفعال المفتي وإقراره وتأسي العامي به، وبين أن يكون فعله هذا وإقراره حجة شرعية، فهذا مالا دليل عليه.

والخلاصة: أن كيفية إجابة المفتي المستفتي تكون:

بالقول: شفاهة أو كتابة.

وبالفعل الذي يُقصد به الإفهام: كإشارة اليد والرأس.

وبالفعل الذي يُقصد به البيان والتعليم: كأن يتوضأ المفتي ويصلي ليعلم الجهال.

2 -الترجمة بين المفتي والمستفتي.

قال النووي تبعا لابن الصلاح رحمهما الله] فإن لم يعرف لسان المستفتي كفاه ترجمة ثقة واحد، لأنه خبر [[2] . ومعنى قوله (لسان المستفتي) أي لغته.

وقال ابن القيم رحمه الله] إذا لم يعرف المفتي لسان السائل، أو لم يعرف المستفتي لسان المفتي، أجزأ ترجمة واحد بينهما، لأنه خبرٌُ محض فيكتفى بواحد - إلى قوله -

والرواية الثانية: لايُقبل في هذا الموضع أقل من اثنين، إجراءً لها مجرى الشهادة، وسلوكا بها سبيلها، لأنها تثبت الإقرار عند الحاكم، وتثبت عدالة الشهود وجرحهم، فافتقرت إلى العدد، كما لو شهد على إقراره شاهد واحد، فإنه لايكتفى به، وهذا بخلاف ترجمة الفتوى والسؤال، فإنه خبر مَحْض، فافترقا [[3] .

(1) (الموفقات) ج 4 ص 246 - 251 باختصار

(2) (المجموع) ج 1 ص 47، (وأدب المفتي) لابن الصلاح ص 134

(3) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 255

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت