خامسا: القائلون بوجوب الاتباع مع جواز التقليد للضرورة
وهؤلاء منهم: ابن عبدالبر وابن تيمية وابن القيم والشنقيطي، وإليك أقوالهم:
1 -قال ابن عبدالبر رحمه الله (باب فساد التقليد ونفيه، والفرق بين التقليد والاتباع) .
] قد ذم الله تبارك وتعالى التقليد في غير موضع من كتابه فقال (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) التوبة: 31، وروى عن حذيفة وغيره قالوا لم يعبدوهم من دون الله ولكنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم، وقال عدي بن حاتم: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب فقال لي «ياعدي ألقِ هذا الوثن من عنقك وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) التوبة: 31 قال: قلت يارسول الله إنا لم نتخذهم أربابًا قال: بلى أليس يحلون لكم ماحرم عليكم فتحلونه ويحرمون عليكم ماأحل الله لكم فتحرمونه، فقلت: بلى، فقال: تلك عبادتهم» ، حدثنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا يوسف بن عدي قال حدثنا أبو الأحوص عن عطاء بن السائب عن أبي البختري في قوله عزوجل (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) التوبة: 31، قال إما أنهم لو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ماأطاعوهم ولكنهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية، قال وحدثنا ابن وضاح حدثنا موسى بن معاوية حدثنا وكيع حدثنا سفيان والأعمش جميعا عن حبيب ابن أبي ثابت عن أبي البختري قال: قيل لحذيفة في قوله (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) التوبة: 31، أكانوا يعبدونهم، فقال لا ولكن كانوا يحلون لهم الحرام فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه. وقال جل وعز (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ) الزخرف: 23 - 24 فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء فقالوا (إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ) سبأ: 34 وفي هؤلاء ومثلهم قال الله جل وعز (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) الأنفال: 22 وقال (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ، وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ) البقرة: 166 - 167 وقال جل وعز عائبا لأهل الكفر وذاما لهم (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ) الأنبياء: 52 - 53 وقال (إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) الأحزاب: 67 ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء وقد احتج العلماء بهذه الآيات في ابطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها، لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجل فكفر، وقلد آخر فأذنب، فقلد آخر في مسئلة دنياه فأخطأ وجهها، كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه: وقال الله جل وعز (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ) التوبة: 115 وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب قبل هذا وفي ثبوته إبطال التقليد أيضا فإذا بطل التقليد بكل ماذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها وهي الكتاب والسنة أو ماكان في معناهما بدليل جامع بين ذلك. - ثم ذكر ابن عبدالبر بعض الآثار في ذم التقليد والنهي عنه، إلى أن قال - وهذا كله لغير العامة فإن العامة لابد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها لأنها لاتتبين موقع الحجة ولاتصل بعدم الفهم إلى علم ذلك لأن العلم درجات لاسبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة والله أعلم. ولم تختلف العلماء أن