يوسف أو الشافعي أو أحمد أو داود أو سمى له أحدًا من صاحب أو تابع فمن دونهما غير النبي صلى الله عليه وسلم، أو انتهره أو سكت عنه، فحرام على السائل أن يأخذ بفتياه، وفرض عليه أن يسأل غيره من العلماء، وأن يطلبه حيث كان، إذ إنما يسأل المسلم من سأل من العلماء عن نازلة تنزل به ليخبره بحكم الله تعالى وحكم محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك، ومايجب في دين الإسلام في تلك المسألة [[1] .
3 -وقال صالح بن محمد الفُلاّني (1218 هـ) ]نقل الأصفهاني في تفسيره عن الإمام ابن دقيق العيد ماملخصه ان اجتهاد العامي عند من قال به من العلماء هو إنه إذا سئل في هذه الاعصار التي غلب فيها الفتوى بالاختيارات البشرية غير المعصومة بل المختلفة المتضادة أن يقول للمفتي هكذا أمر الله تعالى ورسوله، فإن قال نعم أخذ بقوله ولم يلزمه أكثر من هذا البحث، ولايلزم المفتي أن يذكر له الآية والحديث ومادلا عليه واستُخرِج منها بطريق الأصول الصحيح. وإن قال له هذا قولي أو رأيي أو رأي فلان أو مذهبه فَعيَّن واحدًا من الفقهاء أو انتهره أو سكت عنه فله طلب عالم غيره حيث كان يفتيه بحكم الله تعالى وحكم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك ومايجب في دين الإسلام في تلك المسئلة ومن تأمل أقوال السلف والأئمة الأربعة في الحث على أن لايستفتي إلا العالم بالكتاب والسنة عرف ماذكرناه [[2] .
4 -وقال الشوكاني رحمه الله (1250 هـ) ]وقد ذكرت نصوص الأئمة الأربعة المصرحة بالنهي عن التقليد في الرسالة التي سميتها «القول المفيد في حكم التقليد» فلا نطول المقام بذكر ذلك. وبهذا تعلم أن المنع من التقليد إن لم يكن إجماعا فهو مذهب الجمهور [[3] .
وقال الشوكاني أيضا]وأما ماذكروه من استبعاد أن يفهم المقصِّرون نصوص الشرع وجعلوا ذلك مسوّغا للتقليد، فليس الأمر كما ذكروه، فههنا واسطة بين الاجتهاد والتقليد، وهي سؤال الجاهل للعالم عن الشرع فيما يعرض له، لا عن رأيه البحت واجتهاده المحض. وعلى هذا كان عمل المقصِّرين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومن لم يسعه ماوسع أهل هذه القرون الثلاثة الذين هم خير قرون هذه الأمة على الإطلاق فلا وسَّع الله عليه. وقد ذم الله تعالى المقلدين في كتابه العزيز في كثير من (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ) الزخرف: 23 و (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) التوبة: 31 و (إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) الأحزاب: 67 [[4] .
وقال الشوكاني أيضا]إذا تقرر لك أن العامي يسأل العالم، والمقصر يسأل الكامل، فعليه أن يسأل أهل العلم المعروفين بالدين وكمال الورع عن العالم بالكتاب والسنة العارف بما فيهما المطلع على مايحتاج إليه في فهمهما من العلوم الآلية حتى يدلّوه عليه ويرشدوه إليه، فيسأله عن حادثته طالبا منه أن يذكر له فيها مافي كتاب الله سبحانه أو مافي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحينئذ يأخذ الحق من معدنه، ويستفيد الحكم من موضعه، ويستريح من الرأي الذي لايأمن المتمسك به أن يقع في الخطأ المخالف للشرع [[5] .
فهذه أقوال من أوجبوا الاتباع وحرّموا التقليد البته، وملخصها أن المستفتي يجب عليه أن يسأل المفتي عن حكم الشرع في مسألته وأن يسأله عن دليل قوله أو يكتفي بقول المفتي إن هذا حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في مسألته وإن لم يذكر له عين الدليل. فإن لم يفعل المستفتي هذا فهو آثم.
(1) (الإحكام) 6/ 151 - 152
(2) (إيقاظ همم أولي الأبصار) ط دار المعرفة، ص 39
(3) (ارشاد الفحول) ص 248 - 249
(4) (ارشاد الفحول) ص 249 - 250
(5) (ارشاد الفحول) ص 252