فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 1285

الدليل في مسألته ونازلته. بل قد قال ابن حزم وابن دقيق العيد إنه يكفيه أن يعلم أن ماأفتى به المفتي هو ماأمر به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

فهذا مجمل مااحتج به من أوجب التقليد على العامة مع الرد عليهم بايجاز، ومنه تعلم أن من أوجب التقليد لا حجة له يستند إليها. ومن هنا قال الشوكاني] والحاصل أنه لم يأت من جوَّز التقليد فضلا عمن أوجبه بحجة ينبغي الاشتغال بجوابها قط [[1] .

رابعا: القائلون بوجوب الاتباع

وهم الذين أوجبوا على المستفتي معرفة دليل الفتوى، وحَرَّموا التقليد ولم يرخصوا فيه بحال، فمنهم:

1 -ابن خويز منداد المالكي رحمه الله - كما نقل عنه ابن عبدالبر قوله -]والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع [[2] .

2 -ابن حزم رحمه الله، قال]ونحن لم ننكر فتيا العلماء للمستفتين، وإنما أنكرنا أن يؤخذ بها دون برهان يعضدها ودون ردّ لها إلى نص القرآن والسنة، لأن ذلك يوجب الأخذ بالخطأ، وإذا كان في عصره عليه السلام من يفتي بالباطل فهُم من بعد موته عليه السلام أكثر وأفشى، فوجب بذلك ضرورة أن نتحفظ من فتيا كل مفت ٍ، مالم تستند فتياه إلى القرآن والسنة والإجماع [[3] .

وقال ابن حزم أيضا]فالتقليد كله حرام في جميع الشرائع أولها عن آخرها، من التوحيد والنبوة والقدر والإيمان والوعيد والإمامة والمفاضلة وجميع العبادات والأحكام. فإن قال قائل: فما وجه قوله تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43 قيل له وبالله التوفيق: إنه تعالى أمرنا أن نسأل أهل العلم عما حكم به الله تعالى في هذه المسألة، وماروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ولم يأمرنا أن نسألهم عن شريعة جديدة يحدثونها لنا من آرائهم، وقد بيّن ذلك عليه السلام بقوله «فليبلغ الشاهد الغائب» [[4] .

وقال ابن حزم أيضا]فإن قال قائل: فكيف يصنع العامي إذا نزلت به النازلة؟ فالجواب وبالله تعالى التوفيق: أنا قد بينا تحريم الله تعالى للتقليد جملة، ولم يخص الله تعالى بذلك عاميًا من عالم، ولا عالمًا من عامي، وخطاب الله تعالى متوجه إلى كل أحد، فالتقليد حرام على العبد المجلوب من بلده، والعامي، والعذراء المخدّرة، والراعي في شعف الجبال، كما هو حرام على العالم المتبحر ولافرق. والاجتهاد في طلب حكم الله تعالى ورسوله عليه السلام في كل ماخص المرء من دينه لازم لكل من ذكرنا، كلزومه للعالم المتبحر ولافرق. فمن قلّد مِن كل مَن ذكرنا فقد عصى الله عزوجل وأثم، ولكن يختلفون في كيفية الاجتهاد، فلا يلزم المرء منه إلا مقدار مايستطيع عليه، لقوله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) البقرة: 286، ولقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن: 16 - إلى أن قال ابن حزم - فاجتهاد العامي إذا سأل العالم عن أمور دينه فأفتاه: أن يقول له: هكذا أمر الله ورسوله: فإن قال له: نعم، أخذ بقوله، ولم يلزمه أكثر من هذا البحث، وإن قال له: لا، أو قال له: هذا قولي، أو قال له: هذا قول مالك أو ابن القاسم أو أبي حنيفة أو أبي

(1) (إرشاد الفحول) ص 249

(2) (جامع بيان العلم) 2/ 117. وقد سبق بطوله

(3) (الإحكام) 6/ 100 - 101

(4) (الإحكام) 6/ 150 - 151

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت