فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 1285

وقال الشنقيطي أيضا] وإن كان قصدهم أن تعلمهما صعب لايقدر عليه، فهم أيضا زعم باطل، لأن تعلم الكتاب والسنة، أيسر من تعلم مسائل الآراء والاجتهاد المنتشرة، مع كونها في غاية التعقيد والكثرة، والله جل وعلا يقول في سورة القمر مرات متعددة: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) القمر: 17. ويقول تعالى (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) الدخان: 58. ويقول (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا) مريم: 97. فهو كتاب ميسر، بتيسير الله، لمن وفقه الله للعمل به [[1] .

ثم تكلم الشنقيطي فيما يجوز من التقليد فقال:]أما التقليد الجائز الذي لايكاد يخالف فيه أحد من المسلمين فهو تقليد العامي عالمًا أهلا للفتيا في نازلة ٍ نزلت به، وهذا النوع من التقليد كان شائعًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولاخلاف فيه.

فقد كان العامي، يسأل من شاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن حكم النازلة تنزل به فيفتيه فيعمل بفتياه.

وإذا نزلت به نازلة أخرى لم يرتبط بالصحابي الذي أفتاه أولا بل يسأل عنها من شاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يعمل بفتياه [[2] .

إلا أن الشنقيطي رحمه الله بيَّن بعد ذلك المراد بالتقليد الجائز في كلامه السابق، وهو ماكان محلًا للاجتهاد من المسائل، أما مافيه نص كتاب أو سنة أو إجماع فلا تقليد فيه، فقال رحمه الله]اعلم أن مما لابد منه معرفة الفرق بين الاتباع والتقليد، وأن محل الاتباع لايجوز التقليد فيه بحال.

وإيضاح ذلك: أن كل حكم ظهر دليله من كتاب الله، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو إجماع المسلمين، لايجوز فيه التقليد بحال. لأن كل اجتهاد يخالف النص، فهو اجتهاد باطل، ولاتقليد إلا في محل الاجتهاد. لأن نصوص الكتاب والسنة، حاكمة على كل المجتهدين، فليس لأحد منهم مخالفتها كائنا من كان.

ولا يجوز التقليد فيما يخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا إذ لا أسوة في غير الحق.

فليس فيما دلت عليه النصوص إلا الاتباع فقط. ولااجتهاد، ولاتقليد فيما دل عليه نص، من كتاب أو سنة، سالم من المعارض.

والفرق بين التقليد والاتباع أمر معروف عند أهل العلم، لايكاد ينازع في صحة معناه أحد من أهل العلم. وقد قدمنا كلام ابن خويز منداد الذي نقله عنه ابن عبدالبر في جامعه. وهو قوله: التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبت عليه حجة. - إلى أن قال الشنقيطي -

وبهذا تعلم أن شروط المجتهد التي يشترطها الأصوليون إنما تشترط في الاجتهاد، وموضع الاتباع ليس محل اجتهاد، فجَعْل شروط المجتهد في المتبع مع تباين الاجتهاد والاتباع وتباين مواضعهما خلط وخبط، كما ترى.

والتحقيق أن اتباع الوحي لايشترط فيه إلا علمه بما يعمل به من ذلك الوحي الذي يتبعه. وأنه يصح علم حديث والعمل به، وعلم آية والعمل بها. ولايتوقف ذلك على تحصيل جميع شروط الاجتهاد. فيلزم المكلف أن يتعلم مايحتاج إليه من الكتاب والسنة، ويعمل بكل ماعلم من ذلك، كما كان عليه أول هذه الأمة، من القرون المشهود لها بالخير [[3] .

ورغم كلامه هذا، فقد أجاز الشنقيطي التقليد بالمعنى الاصطلاحي الذي قدمناه وذلك في حال الضرورة، فقال رحمه الله]لاخلاف بين أهل العلم، في أن الضرورة لها أحوال خاصة تستوجب أحكامًا غير أحكام الاختيار. فكل مسلم

(1) (أضواء البيان) 7/ 435

(2) (أضواء البيان) 7/ 487

(3) (أضواء البيان) 7/ 547 - 550

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت