فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 1285

ألجأته الضرورة إلى شيء إلجاء صحيحًا حقيقيًا، فهو في سعة من أمره فيه. وقد استثنى الله جل وعلا، حالة الاضطرار في خمس آيات من كتابه، ذكر فيها المحرمات الأربع التي هي من أغلظ المحرمات، تحريمًا وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وماأهلّ لغير الله به. فإن الله تعالى كلما ذكر تحريمها استثنى منها حالة الضرورة، فأخرجها من حكم التحريم. - ثم ذكر الآيات، وقال -

وبهذا تعلم أن المضطر للتقليد الأعمى اضطرارًا حقيقيًا، بحيث يكون لاقدرة له البتة على غيره مع عدم التفريط لكونه لاقدرة له أصلا على الفهم.

أو له قدرة على الفهم وقد عاقته عوائق قاهرة عن التعلم.

أو هو في أثناء التعلم ولكنه يتعلم تدريجًا لأنه لايقدر على تعلم كل مايحتاجه في وقت واحد.

أو لم يجد كفئا يتعلم منه ونحو ذلك فهو معذور في التقليد المذكور للضرورة. لأنه لا مندوحة له عنه.

أما القادر على التعلم المفرط فيه. والمقدم آراء الرجال على ماعلم من الوحي، فهذا الذي ليس بمعذور [[1] .

5 -رأي المؤلف (عبدالقادر بن عبدالعزيز) في مسألة الاتباع والتقليد:

رأيي في هذه المسألة أن الاتباع واجب على كل مسلم ولايجوز التقليد إلا للضرورة كما قال ابن القيم والشنقيطي وغيرهما، وهذا الرأي مبني على مقدمتين:

المقدمة الأولى: أن الاتباع واجب على كل مسلم، ودليله ماذكرناه في أول الباب الثاني من (وجوب العلم قبل القول والعمل) وذكرنا أدلة ذلك من الكتاب والسنة والإجماع، ومنها قوله تعالى (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) الإسراء: 36، وقوله صلى الله عليه وسلم (طلب العلم فريضة علي كل مسلم) . فهذا خطاب لجميع المؤمنين لافرق بين عالم وعامي، فالكل مخاطب بألا يتبع ماليس له به علم، والكل مخاطب بطلب علم ماوجب عليه، وهو فرض العين من العلم. والعلم هو الدليل الشرعي كما ذكرنا، فمعرفة دليل القول والعمل واجب على كل مسلم، وهذا هو الاتباع.

المقدمة الثانية: أنه قد تبين لك مما سبق أنه لايوجد دليل شرعي واحد يوجب التقليد أو يجيزه، - كما قرره الشوكاني فيما نقلناه عنه - حتى يخصص هذا الدليل أدلة وجوب الاتباع المذكورة في المقدمة الأولى.

بناء على هاتين المقدمتين: يكون الاتباع واجبًا على كل مسلم، ولهذا الاتباع مرتبتان في حق المستفتي، وهما:

المرتبة الأولى: لمن لديه قدرة على فهم الأدلة، فالاتباع الواجب عليه: أن يسأل المفتي عن دليل الفتوى من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس أو غيرها، ويعرف وجه الدلالة فيه على الحكم.

المرتبة الثانية: لمن يعجز عن فهم الأدلة، فالاتباع الواجب عليه: أن يسأل المفتي عن فتواه فيقول له: أهذا حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟، فإن أجابه بنعم، قَبِل فتواه. كما ذكره ابن حزم والشوكاني وابن دقيق العيد. والحق أن هذه المرتبة لايعجز عنها أحد، وإنما ينقص الناس أن يعلموا بوجوبها.

وعلى هذا لا يبقى موضع لجواز التقليد إلا موضعًا واحدًا، وهو عجز المستفتي عجزًا حقيقيًا عن الوصول إلى من يفتيه بالدليل الشرعي تفصيلا كما في المرتبة الأولى أو إجمالا كما في المرتبة الثانية، مع قدرته على الوصول إلى من يفتيه بالتقليد بغير حجة ولا دليل. وبهذا تعلم أن الاتباع هو الحكم الأصلي وأن التقليد إنما هو استثناء للمضطر العاجز عن الاتباع بمرتبتيه.

ومع هذا فإن المقلد - حيث يسوغ له التقليد للضرورة - يأثم ويُذم في مواضع سيأتي ذكرها إن شاء الله.

(1) (أضواء البيان) 7/ 553 - 555

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت