وليس إيجابنا للاتباع إيجابًا للإجتهاد، لما ذكرناه من الفرق بينهما، خاصة فيما سبق من كلام الشنقيطي.
ويجب على كل مشتغل بالعلوم الشرعية أن يحض الناس على الاتباع وأن يبدأ بنفسه، كما يجب على الشبان المتدينين إحياء هذا الأمر، لنشر العلم ورفع الجهل، وقطع الطريق على أدعياء العلم الذين يضلون الناس بأهوائهم بغير علم. بهذا يصلح حال الأمة إذ لن يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها، وبهذا لا يقع المسلمون في الذم الوارد في قوله تعالى (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) الفرقان: 30، والتوبيخ الوارد في قوله تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) محمد: 24. أما قول البعض إن المفتي قد يخدع المستفتي فيذكر له دليلا وهو خلاف الحق في المسألة - كما هو شأن الفرق المبتدعة - والمستفتي لايميز ذلك، فجوابه أن سنة الله تعالى في هذا أن الله يقيض له من يفضحه ويكشف ضلاله حتى يصير عبرة لأمثاله، قال تعالى (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) الأنبياء: 18. هذا والله تعالى أعلم.
سادسا: متى يُذم المقلد؟
يأثم المقلد في أحوال ويُنكر عليه فيها، منها:
1 -إذا كان قادرًا على الاجتهاد (الاستدلال) وعدل عنه إلى التقليد المحض، قال الشنقيطي رحمه الله] أما ماليس من التقليد بجائز بلا خلاف؟ فهو تقليد المجتهد الذي ظهر له الحكم باجتهاده، مجتهدًا آخر يرى خلاف ماظهر له هو، للإجماع على أن المجتهد إذا ظهر له الحكم باجتهاده لايجوز له أن يقلد غيره المخالف لرأيه [[1] .
2 -إذا كان قادرًا على الاتباع (أي السؤال عن دليل مسألته وفهمه) فاكتفى بالتقليد المحض. كما قال الشنقيطي رحمه الله]أما القادر على التعلم المفرّط فيه، والمقدّم آراء الرجال على ماعلم من الوحي، فهذا الذي ليس بمعذور [[2] . وإنما أثِمَ هذا لأنه ترك الاتباع الواجب عليه، وفعله هذا نوع من أنواع الإعراض عما أنزل الله تعالى، وقد ذكر ابن القيم من أنواع التقليد المحرّم]الإعراض عما أنزل الله وعدم الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء [[3] . وقال ابن تيمية رحمه الله]فكل من عَدَل عن اتباع الكتاب والسنة وطاعة الله والرسول إلى عادته وعادة أبيه وقومه فهو من أهل الجاهلية المستحقين للوعيد [[4] .
3 -إذا ظهر للمقلد بالحجة والدليل أن الحق بخلاف قول من قلّده، فلم يرجع عنه، أثِمَ إثمًا عظيمًا، قال تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) الأحزاب: 36، ويُخشى على هذا المعانِد أن يزيغ الله قلبه ويطبع عليه، قال تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) الصف: 5. وهذا والعياذ بالله شأن كثير من المقلدين. قال ابن حزم]وأما إن قامت عليه الحجة فعاند تقليدًا ففاسق [[5] .
(1) (أضواء البيان) 7/ 488
(2) (أضواء البيان) 7/ 554 - 555
(3) (اعلام الموقعين) 2/ 168
(4) (مجموع الفتاوي) 20/ 225
(5) (الإحكام) 6/ 154