فهرس الكتاب

الصفحة 447 من 1285

لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ)

الزمر: 56 - 59، وهذا في القرآن كثير يخبر أن الحجة إنما قامت عليهم بكتابه ورسوله، كما نبههم بما في عقولهم وفطرهم: من حسن التوحيد والشكر، وقبح الشرك والكفر.

وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة في كتاب «مفتاح دار السعادة» وذكرنا هناك نحوًا من ستين وجهًا. تبطل قول من نفي القبح العقلي، وزعم أنه ليس في الأفعال ما يقتضي حسنها ولا قبحها. وأنه يجوز أن يأمر الله بعين ما نهى عنه. وينهي عن عين ما أمر به. وأن ذلك جائز عليه. وإنما الفرق بين المأمور والمنهي بمجرد الأمر والنهي، لا بحُسْن هذا وقبح هذا. وأنه لو نهي عن التوحيد والإيمان والشكر لكان قبيحًا. ولو أمر بالشرك والكفر والظلم والفواحش لكان حسنًا. وبينا أن هذا القول مخالف للعقول والفطر، والقرآن والسنة. - إلى أن قال - واعلم أنه إن لم يكن حسن التوحيد وقبح الشرك معلومًا بعقل، مستقرًا في الفطر، فلا وثوق بشيء من قضايا العقل. فإن هذه القضية من أجل القضايا البديهيات، وأوضح ما ركب الله في العقول والفطر. ولهذا يقول سبحانه عقيب تقرير ذلك (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) وينفي العقل عن أهل الشرك، ويخبر عنهم بأنهم يعترفون في النار: أنهم لم يكونوا يسمعون ولا يعقلون. وأنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل، وأخبر عنهم: أنهم (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) البقرة: 171، وأخبر عنهم أن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئًا. وهذا إنما يكون في حق من خرج عن موجب العقل الصريح والفطرة الصحيحة. ولو لم يكن صريح العقل ما يدل على ذلك لم يكن في قوله تعالى (انظُرُوا) و (فَاعْتَبِرُوا) و (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا) فائدة. فإنهم يقولون: عقولنا لا تدل على ذلك. وإنما هو مجرد إخبارك. فما هذا النظر والتفكير والاعتبار والسير في الأرض؟ وما هذه الأمثال المضروبة، والأقيسة العقلية والشواهد العيانية؟ أفليس في ذلك أظهر دليل على حسن التوحيد والشكر؟ وقبح الشرك والكفر مستقر في العقول والفطر. معلوم لمن كان له قلب حي، وعقل سليم، وفطرة صحيحة؟] [1] .

واعلم أن المعتزلة يقسمون الدين إلى أصوال وفروع:

1 -أما الأصول فهي التوحيد ويقولون إن هذا واجب بالعقل بناء على حُسن التوحيد وقبح الشرك، ومن لم تبلغه دعوة نبي ومات كافرًا فهو معذب، وهذا خلاف النص (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء:15، وعلى وقولهم هذا فإنه لا عذر بالجهل فيما يناقض التوحيد، وهو قول باطل من هذا الوجه أي من جهة أن العقل حجة.

2 -وأما الفروع: فهي الأحكام الشرعية التفصيلية، وقولهم فيها كقول سائر العلماء أن الحجة فيها بالرسل. [2]

كما بين ابن تيمية رحمه الله أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع بهذه الصفة هو تقسيم مبتدع لا أصل له فيما نقل عن السلف [3] . ومع ذلك فقد قال ابن تيمية إن الدين ينقسم إلى أصول وفروع ولكن بصفة أخرى، فقال رحمه الله [بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين «مسائل أصول» والدقيق «مسائل فروع» ] [4] ، ويعني بالصنفين المسائل الخبرية

(1) (مدارج السالكين) ج 3 ص 509 - 513، ط 1، دار الكتب العلمية -- وكما قال ابن القيم فقد أثبت التحسين والتقبيح العقليين من أكثر من ستين وجهًا في كتابه (مفتاح دار السعادة) ج 2 ص 2 - 113، ط دار الفكر، لمن شاء الاستزادة

(2) انظر (شرح المحلى على جمع الجوامع للسبكي) 1/ 54 - 63، و (مقالات الإسلاميين) لأبي الحسن الأشعري، 1/ 296.

(3) انظر (مجموع الفتاوى) ج 12/ 492، و ج 23/ 346

(4) (مجموع الفتاوى) 6/ 56

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت