فهرس الكتاب

الصفحة 448 من 1285

الاعتيادية، ومسائل الأحكام العملية، كما ورد في سياق كلامه رحمه الله.

وفي الإنكار على المعتزلة نقل ابن حجر عن أبي المظفر بن السمعاني قوله [إن العقل لا يوجب شيئا ولا يحرم شيئا ولا حَظَّ له في شيء من ذلك، ولم لم يرد الشرع بحكمٍ ما وجب على أحدٍ شيء، لقوله تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء:15 وقوله (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) النساء: 165، وغير ذلك من الآيات، فمن زعم أن دعوة رسل الله عليهم الصلاة والسلام إنما كانت لبيان الفروع لزمه أن يجعل العقل هو الداعي إلى الله دون الرسول، ويلزمه أن وجود الرسول وعدمه بالنسبة إلى الدعاء إلى الله سواء، وكفى بهذا ضلالًا، ونحن لا ننكر أن العقل يُرشد إلى التوحيد وإنما ننكر أن يستقل بإيجاب ذلك] [1] .

والخلاصة: أنه لا تكليف على العباد يترتب عليه ثواب وعقاب بحكم العقل، وإنما يترتب التكليف والثواب والعقاب بالحجة الرسالية.

ومن الأدلة على بطلان وجوب التوحيد بالعقل:

1 -قوله تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل: 36. فلو كان العقل موجبا لهذا التوحيد، لكان بعث الرسل به نوعا من العبث، وهذا يمتنع على الله تعالى، فدلّ على بطلان المقدمة الأولى وأن العقل غير موجب للتوحيد. ولو كان العقل موجبًا للتوحيد، لجاء الرسل بالأحكام الفرعية العملية دون التوحيد، ولكنهم جاءوا أول ما جاءوا بالتوحيد.

2 -ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن، قال (ليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله) [2] . فدلّ هذا الدليل والذي قبله على أن التوحيد ومعرفة الله إنما تجب بالرسل (بالسمع) لا بالعقل.

3 -وقوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا) الشورى: 52، فدلت الآية على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يدري ما الإيمان قبل الوحي، فلو كان هناك أحدٌ يمكنه أن يهتدي بعقله لذلك لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو سيد ولد آدم - أحق بذلك. ومن هذا الباب أيضا قوله تعالى (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) الضحى: 7، وقوله تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) يوسف: 3. [3]

4 -وقوله تعالى (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ، تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ، قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ، وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) الملك: 6 - 10. وهذا نص في محل النزاع إذ احتج خزنة جهنم على الكفار بالرسل (أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ) ولم يقولوا لهم (ألم تكن لكم عقول) ، فدل على أن الحجة تقوم والعذر ينقطع بالرسل لا بالعقل. كما دل النص أيضا

(1) (فتح الباري) 13/ 353, وكلام أبي المظفر بن السمعاني موجود بتمامه في كتاب (الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة) لإسماعيل التيمي الأصبهاني، ج 1 ص 314 - 322، ط دار الراية 1411 هـ، لمن شاء مراجعته, وانظر أيضا (الإحكام في أصول الأحكام) لابن حزم، الباب السادس، 1/ 52 - 60.

(2) متفق عليه

(3) انظر (مجموع فتاوى ابن تيمية) 2/ 2 - 3، وانظر (الشفا) للقاضي عياض ج 2 ص 793 وما بعدها، ط الحلبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت