ومن حق السعي أنه يجب عليه إذا لم يجد أحدًا يفتيه ببلده أن يرتحل إلى حيث يجد من يفتيه كما سبق بيانه في أحكام المستفتي بالباب الخامس.
فإذا وجد من يقيم عليه الحجة على الصفة المذكورة بالفصل السابق، فهذا قد أدى واجبه وأدرك الحق.
الحال الثانية: ألا يسعى في طلب العلم الواجب.
فهذا مقصّر، مفرّط، مُعرض عن الحق، غير معذور بجهله، وهو آثم في الدنيا والآخرة.
وفي هذا الصنف قال ابن القيم رحمه الله [فكل من تمكّن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه، فقصَّر عنه ولم يعرفه، فقد قامت عليه الحجة] [1] . وعلى هذا القول سائر أهل العلم وستأتي أقوالهم فيما بعد إن شاء الله.
الحال الثالثة: أن يسعى في طلب العلم الواجب ويدرك بعضه.
ومن حق السعي أن يجتهد فيه، وأنه إذا بلغه خبر من غير ثقة أن يتثبت فيه كما سبق في الفصل السابق، وأنه إذا اختلفت لديه الأقوال في المسألة فإنه يجب عليه الترجيح بسؤال الأعلم الأوثق كما سبق بيانه في أحكام المستفتي في الباب الخامس (إذا اختلف عليه مفتيان فأكثر) . فإذا سعي حق السعي ولم يجد من يقيم عليه الحجة على الصفة المذكورة بالفصل السابق، فله حالان:
1 -سعي ولم يجد إلا من يدلّه على الباطل:
فهذا قال فيه ابن حزم [وأما من بلغ إليه خبر غير صحيح عن النبيص وصححه له متأول أو جاهل أو فاسق لم يعلم هو بفسقه. فهذا هو مبلغ اجتهاد هذا الإنسان ولم يكلفه الله تعالى أكثر ما في وسعه ولا مالم يبلغه، فهو إن عمل بما بلغه من ذلك الباطل فمعذور بجهله، لا إثم عليه. لأنه لم يتجانف لإثم والأعمال بالنيات، فهو مجتهد مأجور مرة في قصده بنيته إلى الخير] [2] . والذي يظهر أن هذا المكلف إذا لم يدرك الحق فيما يتعلق بالتوحيد فحكمه حكم غير المتمكن الذي لم تبلغه حجة في الدنيا ويختبر يوم القيامة، أما من لم يدرك الحق في بعض الأحكام - غير التوحيد - مع سعيه، فهذا لا إثم عليه باتفاق العلماء.
2 -سعى ولم يدرك إلا بعض الحق.
لنقص العلم بالحجة الرسالية وندرة من يعرفه أو يدل عليه، فمن سعى ولم يدرك إلا بعض الحق، فهذا ناجٍ قد أدى واجبه.
وعلى هذا الحال يتنزل خبر زيد بن عمرو بن نفيل وقد سبق ذكر قصته، وكان قد رحل من مكة إلى الشام يطلب الحق لدى اليهود والنصارى، وذلك فيما رواه البخاري [أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالمًا من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إني لعلى أن أدين دينكم فأخبرني. فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيد: ما أفِرُّ إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا وأني أستطيعُه؟ فهل تدُلُّني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا يعبد إلا الله. فخرج زيد فلقي عالمًا من النصارى، فذكر مثله فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئا أبدا، وأني أستطيع؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا
(1) (مدارج السالكين) 1/ 239
(2) (الإحكام) 1/ 65