فهرس الكتاب

الصفحة 479 من 1285

يعبد إلا الله. فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام خرج، فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم] [1] . وقال ابن حجر في الشرح [ووقع في حديث زيد بن حارثة - أي عن زيد بن عمرو - «قال لي شيخ من أحبار الشام: إنك لتسألني عن دين ما أعلم أحدًا يعبد الله به إلا شيخًا بالجزيرة، قال فقدمت عليه فقال: إن الذي تطلب قد ظهر ببلادك وجميع من رأيتهم في ضلال» وفي رواية الطبراني من هذا الوجه «وقد خرج في أرضك نبي، أو هو خارج، فارجع وصدّقه وآمن به» - إلى أن قال ابن حجر - وفي رواية ابن اسحق «وكان يقول: اللهم لو أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك به، ولكني لا أعلمه، ثم يسجد على الأرض براحته» ] [2] .

فإذا تبيّن لك أن زيد بن نفيل ناج - راجع الأحاديث الواردة في ذلك نقلا عن ابن كثير من «البداية والنهاية» بآخر الفصل الثاني - وأن غيره من مشركي العرب في النار كما في قوله صلى الله عليه وسلم (إن أبي وأباك في النار) [3] . تبيّن لك الفرق بين المتمكن الذي سعي جهده وأدرك بعض الحق فهذا ناجٍ، وبين المتمكن المُعرِض المقصّر فهذا هالك. وهذان المثالان يبينان لك المعنى المراد بكلمة (إذا كان مثله لا يجهل ذلك) التي يرددها بعض العلماء كضابط في هذه المسألة. لأن زيد بن نفيل والذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه في النار، كلاهما كان في نفس الحال (الزمان والمكان) وأحدهما ناجٍ فقيس غيره عليه، فإن لم يفعل مثله فهو مقصّر هالك.

ومن باب النجاة بإدراك بعض الحق: ما ورد عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يُدْرى ما صيام ولا صلاة ولا نُسُك ولا صدقة، ويُسرى على كتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله، فنحن نقولها) فقال صلة بن زفر لحذيفة فما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، فرددها عليه ثلاثا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال (يا صلة! تنجيهم من النار، تنجيهم من النار) [4] . أما زوال القرآن من الأرض فهذا يكون بعد موت عيسى بن مريم عليه السلام في آخر الزمان كما ذكره القرطبي في تذكرته [5] ، وهو الخلوّ المطلق للعلم من للأرض، ولكن قد يحدث خلوّ نسبي قبل ذلك من الأزمان في بعض الأرض لا كلها، وهي مسألة (إذا لم يجد المستفتي من يفتيه البته) المذكورة في كل من أحكام المفتي والمستفتي بالباب الخامس، وفيها استدل العلماء بهذا الحديث على أن المكلف يعمل بما أمكنه من العلم ويسقط عنه فرض مالم يعلمه [6] ، واستدل ابن تيمية بهذا الحديث على ذلك أيضا فقال رحمه الله [وفي أوقات الفترات، وأمكنة الفترات: يُثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويغفر الله فيه لمن لم تقم الحجة عليه ما لا يغفر به لمن قامت الحجة عليه، كما في الحديث المعروف: «يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة. ولا صيامًا، ولا حجًا، ولا عمرة، إلا الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة. ويقولون: أدركنا آباءنا وهم يقولون لا إله إلا الله» فقيل لحذيفة بن

(1) (حديث 27 83)

(2) (فتح الباري) 7/ 144 - 145

(3) رواه مسلم

(4) رواه ابن ماجة في سننه, ورواه الحاكم في مستدركه وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ ابن حجر: رواه ابن ماجة بسند قوي عن حذيفة (فتح الباري) 13/ 16

(5) انظر «مختصر تذكرة القرطبي» للشعراني ص 144 ط دار الفكر

(6) انظر في هذا (أدب المفتي والمستفتي) لابن الصلاح ص 105 - 106، و (المجموع) للنووي ج 1 ص 58

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت