فهرس الكتاب

الصفحة 480 من 1285

اليمان: ما تغني عنهم لا إله إلا الله؟ فقال: تنجيهم من النار»] [1] .

والمذكور في هذا الحديث صورته كصورة زيد بن عمرو بن نفيل الذي نجا بما معه من الإيمان القليل لأنه هو الذي تمكّن منه في زمان فترة الشريعة.

هذه أحوال المتمكن من طلب العلم.

واعلم أن هناك اتفاقا بين العلماء على أن ضابط قيام الحجة على المكلف هو تمكنه من طلب العلم لا حقيقة بلوغ العلم إليه، لا يختلفون في ذلك. ولهذا فقد قلت في أول هذا الباب إنه إزراء بالسلف أن يُظن بهم أنهم لم يتكلموا في هذه المسألة.

وجميع النصوص الدالة على العذر بالجهل أو الدالة على عدم العذر بالجهل، وكذلك الأحوال التي يُعذر فيها بالجهل والتي لا يعذر فيها بالجهل، كل هذه يجمعها ضابط واحد، وهو التمكن من العلم أو عدمه، وبهذا الضابط يرتفع الإشكال بين النصوص المتعارضة في هذه المسألة كالنصوص التي ذكرتها في آخر الفصل الثاني، في التنبيه على خطأ من أطلق القول بعدم العذر بالجهل وخطأ من أطلق القول بالعذر به.

1 -فمن الأحوال التي يذكر العلماء أنه لا يُعذر فيها بالجهل:

(أ) أنه لا عذر بالجهل للمقيم في دار الإسلام: ويعللون ذلك بأنها مظنة لانتشار العلم، وأنه المكلف يتمكن من طلب علم ما يجب عليه فيها. حتى أنهم يقولون إذا أسلم الكافر في دار الحرب ولم يُصَلّ مدة ثم علم بوجوب الصلاة فلا يقضي ما فاته، أما إذا أسلم في دار الإسلام (كالذمي إذا أسلم) ولم يُصَل مدة ثم صلى فإنه يجب عليه القضاء لأنه متمكن من معرفة وجوب الصلاة، خاصة وهو يرى الناس يصلون في دار الإسلام، فتركُه لها بتقصير منه. ومع ذلك يستثنى العلماء أحوالًا يعذرون فيها بالجهل في دار الإسلام وهو حديث العهد بالإسلام، ومن نشأ في بادية، أو في شاهق جبل لا يخالط المسلمين. والضابط الذي يحكم كل هذه الصور والاستثناءات هو التمكن من العلم أو عدمه. فليست العبرة بمجرد الإقامة بدار الإسلام أو دار الحرب، ولكن لأن الأولى مظنة العلم والثانية مظنة الجهل.

(ب) أنه لا عذر بالجهل في المعلوم من الدين بالضرورة، وهو ما يشترك جمهور الناس في العلم به في مكان معين في زمان معين، وإنما لم يعذروا أحدًا بالجهل فيه لأنه يمكن العلم به بسهولة ويُسْر، وفي مقابل المعلوم بالضرورة يقولون بالعذر بالجهل في المسائل الخفية لأنه لا يتمكن من العلم بها آحاد العامة [2] .

2 -ومن الأحوال التي يعذرون فيها بالجهل:

(أ) من أسلم في دار الحرب ولم يجد من يعلمه: ويمثلون له بالنجاشي، فإذا وجد من يعلمه في دار الحرب فلا يُعذر لأن العبرة بالتمكن من التعلم لا مجرد وجوده في الدار.

(ب) حديث العهد بالإسلام: ودليله حديث ذات أنواط.

(ج) من نشأ ببادية أو شاهق جبل منقطعا عن الناس، كالمرأة التي استهلت بالاقرار بالزنا على عهد عمر.

(د) في المسائل الخفية: التي يخفى علمها على كثير من المسلمين. [3]

(هـ) ندرة العلم في مكان ما: فيعذر فيما لا يمكنه العلم به: كزيد بن نفيل، وحديث حذيفة وصلة.

(1) (مجموع الفتاوى) ج 35 ص 165، وكرر هذا أيضا في ج 1/ ص 407 - 408

(2) انظر في المعلوم بالضرورة: (جامع العلوم والحكم) لابن رجب الحنبلي، ص 59، في شرح الحديث السادس، وانظر (مجموع فتاوى ابن تيمية) 13/ 118

(3) انظر (مجموع فتاوى ابن تيمية) ج 1/ 106، ج 4/ 54 - 55، ج 18/ 54 - 55

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت