فهرس الكتاب

الصفحة 481 من 1285

والضابط في هذا كله هو التمكن من التعلم أو عدمه، فإذا كان متمكنا ولم يتعلم فهو مقصر آثم غير معذور، وإذا كان غير متمكن فهو معذور بجهله.

وإليك طائفة من أقوال العلماء المبينة لضابط التمكن من التعلم:

وسيذكر بعضهم الأحوال التي يعذر فيها والتي لا يعذر فيها بالجهل كأمثلة للتمكن أو عدمه، وهي الأحوال التي ذكرتها أعلاه.

1 -أبو محمد بن حزم رحمه الله

قال [ورأيت قوما يذهبون إلى أن الشرائع لا تلزم من كان جاهلا بها ولا من لم تبلغه.]

قال أبو محمد: [وهذا باطل بل هي لازمة له لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الإنس كلهم، وإلى الجن كلهم، وإلى كل من لم يولد، إذا بلغ بعد الولادة.]

قال أبو محمد:[قال الله تعالى آمرًا له أن يقول: (إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) الأعراف: 158. وهذا عموم لا يجوز أن يخص منه أحد. وقال تعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) القيامة: 36. فأبطل سبحانه أنه يكون أحد سدى، والسدى: المهمل الذي لا يؤمر ولا ينهى، فأبطل عز وجل هذا الأمر، ولكنه معذور بجهله ومغيبه عن المعرفة فقط، وأما من بلغه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حيث ما كان من أقاصى الأرض ففرض عليه البحث عنه، فإذا بلغته نذارته ففرض عليه التصديق به واتباعه، وطلب الدين اللازم له، والخروج عن وطنه لذلك، وإلا فقد استحق الكفر، والخلود في النار، والعذاب بنص القرآن، وكل ما ذكرنا يبطل قول من قال من الخوارج إن في حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم يلزم من في أقاصي الأرض الإيمان به، ومعرفة شرائعه، فإن ماتوا في تلك الحال ماتوا كفارًا إلى النار، ويبطل هذا قول الله عز وجل (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) البقرة: 286، وليس في وسع أحد علم الغيب.

فإن قالوا فهذه حجة الطائفة القائلة إنه لا يلزم أحدا شيء من الشرائع حتى تبلغه، قلنا لا حجة لهم فيها لأن كل ما كلف الناس فهو في وسعهم، واحتمال بنيتهم، إلا أنهم معذورون بمغيب ذلك عنهم ولم يكلفوا ذلك تكليفا يعذبون به إن لم يفعلوه، وإنما كلفوه تكليف من لا يعذبون حتى يبلغهم ومن بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه له أمرًا من الحكم مجملًا أو لم يبلغه نصه، ففرض عليه اجهاد نفسه في طلب ذلك الأمر، وإلا فهو عاص لله عزوجل. قال الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43] [1] .

وقال ابن حزم أيضا [قال الله عز وجل (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء:15 فصح أنه لا عذاب على كافر أصلا حتى يبلغه نذارة الرسول صلى الله عليه وسلم. وأما من بلغه ذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، ثم لم يجد في بلاده من يخبره عنه ففرض عليه الخروج عنها إلى بلاد يستبرئ فيها الحقائق ولولا إخباره عليه السلام أنه لا نبي بعده، للزمنا ذلك في كل من نسمع عنه أنه ادعى النبوة، - إلى أن قال - وكل من كان منا في بادية لا يجد فيها من يعلمه شرائع دينه ففرض على جميعهم من رجل أو امرأة أن يَرْحَلوا إلى مكان يجدون فيه فقيها يعلمهم دينهم، أو أن يُرَحّلوا إلى أنفسهم فقيها يعلمهم أمور دينهم، وإن كان الإمام يعلم ذلك فليرحل إليهم فقيها يعلمهم] [2] .

2 -شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

(1) (الفصل في الملل والأهواء والنحل) لابن حزم، 4/ 106) ط دار الجيل

(2) (الإحكام) 5/ 118

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت