وبكل أسف فإن بعض المعاصرين الذي أطلقوا القول بالعذر بالجهل كما ذكرت في آخر الفصل الثاني احتجوا في ذلك بأقوال لابن تيمية بأنه لا يكفر إلا من قامت عليه الحجة الرسالية، ولم يذكروا شيئا من كلامه في ضابط التمكن، فإن كلامه عن قيام الحجة الرسالية كله مقيد بضابط التمكن. وكلام العلماء يجب أن يُجمع بعضه إلى بعض ليُعرف مطلقه من مقيده ومجمله من مفسَّره شأنه شأن النصوص الشرعية، وهذا متفق عليه عند أهل العلم.
فمن كلامه في وجوب إقامة الحجة الرسالية قبل التكفير، قوله رحمه الله [هذا مع أني دائمًا ومن جالسني يعلم ذلك مني: أني من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير، وتفسيق، ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى] [1] . وقال أيضا [لكن ليس كل من تكلم بالكفر يكفر، حتى تقوم عليه الحجة المثبتة لكفره، فإذا قامت عليه الحجة كفر حينئذٍ] [2] . وهذا كثير في كلامه.
أما كلامه الذي ينص فيه على ضابط التمكن من العلم، فمنه:
قوله رحمه الله [حكم الخطاب لا يثبت في حق المكلفين إلا بعد تمكنهم من معرفته في أصح الأقوال] [3] .
وقال أيضا [أن الله يقول (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء:15، والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به. فأما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين، أو حصل العجز عن بعضه: كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلا، وهذه أوقات الفترات.] [4] .
وقال ابن تيمية أيضا [وإذا تبين هذا فمن ترك بعض الإيمان الواجب لعجزه عنه، إما لعدم تمكنه من العلم: مثل أن لا تبلغه الرسالة، أو لعدم تمكنه من العمل، لم يكن مأمورًا بما يعجز عنه، ولم يكن ذلك من الإيمان والدين الواجب في حقه، وإن كان من الدين والإيمان الواجب في الأصل] [5] .
وقال أيضا [إذا كان التكليف مشروطًا بالتمكن من العلم الذي أصله العقل، وبالقدرة على الفعل] [6] .
وقال ابن تيمية أيضا [إن هذا العذر لا يكون عذرًا إلا مع العجز عن إزالته، وإلا فمتى أمكن الإنسان معرفة الحق فقصّر فيها لم يكن معذورًا] [7] .
وقال أيضا [وبالجملة لا خلاف بين المسلمين أن من كان في دار الكفر وقد آمن وهو عاجز عن الهجرة لا يجب عليه من الشرائع ما يعجز عنها بل الوجوب بحسب الإمكان، وكذلك مالم يعلم حكمه، فلو لم يعلم أن الصلاة واجبة عليه وبقي مدة لم يصل لم يجب عليه القضاء في أظهر قولي العلماء، وهذا مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد - إلى أن قال - والصواب في هذا الباب كله أن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن من العلم، وأنه لا يقضي مالم يعلم وجوبه] [8] .
(1) (مجموع الفتاوى) 3/ 229
(2) (مجموع الفتاوى) 5/ 306
(3) (مجموع الفتاوى) 20/ 25
(4) (مجموع الفتاوى) 20/ 59
(5) (مجموع الفتاوى) 12/ 478 - 479
(6) (مجموع الفتاوى) ج 10/ 347، وله مثله في ج 21/ 634
(7) (مجموع الفتاوى) 20/ 280
(8) (مجموع الفتاوى) ج 19/ 225 - 226، وله مثله في ج 11/ 406