وقال ابن تيمية أيضا [والله تعالى كما أخبر بأنها - أي الأمة - تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فقد أوجب ذلك على الكفاية منها بقوله (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران:104، وإذا أخبر بوقوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منها لم يكن من شرط ذلك أن يصل أمر الآمر ونهي الناهي منها إلى كل مكلّف في العالم، إذ ليس هذا من شرط تبليغ الرسالة، فكيف يُشترط فيما هو من توابعها؟، بل الشرط أن يتمكن المكلفون من وصول ذلك إليهم، ثم إذا فرّطوا فلم يسعوا في وصوله إليهم مع قيام فاعله بما يجب عليه كان التفريط منهم لا منه] [1] . وقد أدرجت في كلامه كلمة - الأمة - بين شرطتين.
وكل كلام شيخ الإسلام السابق بيّن فيه ضابط التمكن وأن المتمكن إذا قصّر في طلب الحق فهو غير معذور، وأنه لا يشترط أن يبلغ القائم بالحجة الحجة لكل إنسان.
وإليك طائفة أخرى من أقواله تبين ضابط التمكن أيضا، ويذكر فيها بعض الأحوال التي يعذر فيها بالجهل لعدم التمكن، وسبق أن ذكر منها من أسلم في دار الكفر، فمنها:
قوله رحمه الله [وهذا لأن لحوق الوعيد لمن فعل المحرم مشروط بعلمه بالتحريم، أو بتمكنه من العلم بالتحريم، فإن من نشأ ببادية أو كان حديث عهد بالإسلام وفعل شيئا من المحرمات غير عالم بتحريمها لم يأثم ولم يحد، وإن لم يستند في استحلاله إلى دليل شرعي. فمن لم يبلغه الحديث المحرم واستند في الاباحة إلى دليل شرعي أولى أن يكون معذورا] [2] .
وقال أيضا [وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقي من يُبَلّغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما يبعث الله به رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول، ولهذا جاء في الحديث «يأتي على الناس زمان لايعرفون فيه صلاة ولا زكاة ولا صومًا ولا حجا إلا الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، يقول أدركنا آباءنا وهم يقولون: لا إله إلا الله، وهم لايدرون صلاة ولا زكاة ولا حجا. فقال: ولاصوم ينجيهم من النار» ] [3] .
وقال أيضا [والتكفير هو من الوعيد. فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة. ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة.] [4] .
وقال ابن تيمية أيضا [فأما من تعمد تحريف الكتاب لفظه أو معناه، أو عرف ماجاء به الرسول فعانده فهذا مستحق للعقاب، وكذلك من فرط في طلب الحق واتباعه متبعًا لهواه مشتغلًا عن ذلك بدنياه] [5] .
فهذه بعض أقوال ابن تيمية في بيان ضابط التمكن من التعلم والأحوال التي يعذر فيها بالجهل لعدم التمكن، وهذا يقيد كل كلامه في وجوب إقامة الحجة الرسالية.
3 -كلام ابن القيم رحمه الله في نفس المسألة.
قال رحمه الله [اعتراف العبد بقيام حجة الله عليه من لوازم الإيمان. أطاع أم عصى. فإن حجة الله قامت على العبد
(1) (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 125 - 126
(2) (مجموع الفتاوى) 20/ 252
(3) (مجموع الفتاوى) 11/ 407 - 408. وله مثله في ج 35/ 165 - 166
(4) (مجموع الفتاوى) 3/ 231، وله مثله في ج3/ 354
(5) (الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح) 1/ 310