بإرسال الرسول، وإنزال الكتاب، وبلوغ ذلك إليه، وتمكنه من العلم به. سواء علم أو جهل. فكل من تمكن من معرفة ماأمر الله به ونهى عنه. فقصر عنه ولم يعرفه. فقد قامت عليه الحجة.] [1] .
وقال أيضا [لكن قد يشتبه الأمر على من يقدم قول أحد أو حكمه، أو طاعته أو مرضاته، ظنًا منه أنه لا يأمر ولا يحكم ولا يقول إلا ما قاله الرسول. فيطيعه، ويحاكم إليه، ويتلقي أقواله كذلك. فهذا معذور إذا لم يقدر على غير ذلك. وأما إذا قدر على الوصول إلى الرسول، وعرف أن غير من اتبعه هو أولى به مطلقًا، أو في بعض الأمور. ولم يلتفت إلى الرسول ولا إلى من هو أولى به. فهذا الذي يخاف عليه. وهو داخل تحت الوعيد.] [2] .
وقال ابن القيم [فأحكام التكليف تتفاوت بحسب التمكن من العلم والقدرة] [3] .
وقال أيضا [فإن قيل فهل لهذا عذر في ضلاله إذا كان يحسب أنه على هدى كما قال تعالى (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) الأعراف: 30. قيل لا عذر لهذا وأمثاله من الضلال الذين منشأ ضلالهم الإعراض عن الوحي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو ظن أنه مهتد فإنه مُفرِّط بإعراضه عن اتباع داعي الهدى فإذا ضل فإنما أتى من تفريطه وإعراضه وهذا بخلاف من كان ضلاله لعدم بلوغ الرسالة وعجزه عن الوصول إليها فذاك له حكم آخر والوعيد في القرآن إنما يتناول الأول وأما الثاني فإن الله لا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه] [4] .
وقال ابن القيم أيضا [وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل أوزار من اتبعه. لا ينقص من أوزارهم شيئا» وهذا يدل على أن كفر من اتبعهم إنما هو بمجرد اتباعهم وتقليدهم. نعم لابد في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق بين مقلد تمكن من العلم معرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه، والقسمان واقعان في الوجود، فالمتمكن المعرض مفرط تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله، وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه فهم قسمان أيضا: أحدهما مريد للهدى مؤثر له محب له، غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، ومن لم تبلغه الدعوة. الثاني معرض لا إرادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه. فالأول يقول: يا رب لو أعلم لك دينا خيرا مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه. ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه ولا أقدر على غيره، فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي. والثاني: راض بما هو عليه لا يؤثر غيره عليه ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته، وكلاهما عاجز، وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق: فالأول كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبه عجزا وجهلا، والثاني كمن لم يطلبه بل مات على شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض. فتأمل هذا الموضع، والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق. وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا، فذاك مما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول. هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه. هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر: فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا
(1) (مدارج السالكين) 1/ 239، ط دار الكتب العلمية
(2) (المرجع السابق) 1/ 113
(3) (اعلام الموقعين) 4/ 220
(4) (مفتاح دار السعادة) ج 1 ص 44، ط دار الفكر