ولم يكتفوا بالمخالفة بل عمدوا إلى نصوص الكتاب والسنة المعارضة لآرائهم فتأوّلوها، وخرجوا بذلك عن أهل السنة والجماعة. وقد دخل هذا الاسلوب على المسلمين بعد مخالطتهم لأهل النحل القديمة وبعد ترجمة كتب فلاسفة اليونان وغيرهم، واشتهر المعتزلة بالأخذ بهذا الأسلوب ثم فاقهم فيه الأشاعرة وعلى رأسهم كبيرهم القاضي أبو بكر الباقلاني 403 هـ، الذي وضع المقدمات العقلية التي يتوقف عليها الاستدلال والنظر وجعلها قواعد تابعة للعقائد الإيمانية في وجوب اعتقادها لتوقف اثبات هذه العقائد عليها، ثم زاد إمام الحرمين أبو المعالي الجويني 478 هـ هذه القواعد العقلية تأصيلا في كتابه (الشامل) والذي لخصه في كتابه (الإرشاد) ، ويكفي في ابطال هذا كله أن هذه المقدمات العقلية لو كانت واجبة لكان رسول الله عليه الصلاة والسلام قد بينها. وسُمي اثبات مسائل الاعتقاد بالأدلة العقلية بعلم الكلام، ومازالت العقائد تدرس في كثير من المعاهد الإسلامية - كالأزهر بمصر - وإلى يومنا هذا باسم علم الكلام. وقد ذم السلف الكلام والفلسفة والمنطق أشد الذم وحذروا منها، قال أبو عمر بن عبدالبر] قال يونس بن عبدالأعلى: سمعت الشافعي يوم ناظره حفص الفرد، قال لي: ياأبا موسى لأن يلقى اللهَ عزوجل العبدُ بكل ذنب ماخلا الشرك خير من أن يلقاه بشئ من الكلام، لقد سمعت من حفص كلاما لا أقدر أن أحكيه. قال ابن عبدالبر: وقال أحمد بن حنبل رحمه الله إنه لايفلح صاحب كلام أبدًا ولاتكاد ترى أحدًا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دَغَل. وقال ابن عبدالبر: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولايُعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه ويتفاضلون فيه بالاتقان والمَيْز والفهم. ونقل ابن عبدالبر عن ابن خويز منداد المالكي قوله: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعريًا كان أو غير أشعري لاتقبل له شهادة في الإسلام أبدًا ويٌهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها [[1] .
هذا هو سبب تسمية المتأخرين للعقائد بعلم الكلام - تأسيسهم له على الجدل والمنطق - وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته سببا آخر لهذه التسمية وهو الخلاف في كلام الله تعالى ومسألة خلق القرآن، فقال إن مسائل الاعتقاد سميت بعلم الكلام لأن مبدأها كان الخلاف في كلام الله تعالى، إلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد انتقد هذا القول وبيّن أنه خطأ ولا صلة له بالتسمية، وأن الصواب هو القول الأول [2] .
(1) (جامع بيان العلم) 2/ 95 - 96
(2) انظر (مجموع الفتاوي) 3/ 184، في نقده لكلام الشهرستاني