لصاحبها على الاتيان بأسباب الكفر، نضرب عدة أمثلة لذلك:
• فإبليس سبب كفره: ترك السجود لآدم عليه السلام (والترك فعل كما سيأتي تقريره) ، أما نوع كفره: فكفر استكبار، وهذا هو الباعث له على ترك السجود.
• وقد يتحد السبب ويختلف النوع الباعث، فلو أن رجلين أحدهما مسلم والآخر نصراني قالا: المسيح ابن الله، فقد اتحد السبب وهو هذا القول المكفِّر، واختلف نوع الكفر فيهما: فهو في المسلم كفر تكذيب لتكذيبه بنص القرآن الدال على أن الله (لم يلد ولم يولد) ، أما في النصراني فكفره كفر تقليد لآبائه ولرهبانهم كما قال تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيلِ) المائدة: 77، فاتحاد السبب واختلاف النوع مما يبين لك الفرق بينهما.
• ومن اتحاد السبب واختلاف النوع: كُفر كفار مكة واليهود وهرقل قيصر الروم: اتحد سبب الكفر فيهم وهو ترك الإقرار بالشهادتين، واختلف النوع:
فهو في كفار مكة واليهود كفر جحود واستكبار وحسد، ففي كفار مكة: قال (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) الأنعام: 33 فهذا كفر الجحود، وقال تعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) الصافات: 35 فهذا كفر الاستكبار. وفي اليهود: قال تعالى (فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) البقرة: 89 فهذا كفر الجحود، وقال تعالى (أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ) البقرة: 87 فهذا كفر الاستكبار، وقال تعالى (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ) النساء: 54 فهذا كفر الحسد.
وهو في هرقل: الحرص على الملك وهو من اتباع الهوى الصارف عن الإيمان [1] .
والأمثلة السابقة تبين أنه قد يتحد سبب الكفر عند عدة أفراد ويختلف النوع الباعث لدى كل منهم عن الآخر، كما بيّنت هذه الأمثلة أنه قد يجتمع للسبب الواحد أكثر من باعث في الشخص الواحد كما في قوله تعالى (بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) الزمر: 59، فاجتمع لهذا كفر التكذيب وكفر الاستكبار.
ولما كانت أنواع الكفر هى أمور باطنة خفية فإن أحكام الدنيا لم ترتب عليها، وإنما رتبت أحكام الدنيا على الأسباب الظاهرة من الأقوال والأفعال المكفرة التي يمكن اثباتها على فاعلها، ولايلزم في أحكام الدنيا أن نتكلف في حمل أسباب الكفر على أنواعه، فمن سَبَّ الرسول عليه الصلاة والسلام حكمنا بكفره لأنه أتى بسبب الكفر وهو القول المكفِّر ولايلزم أن نتكلف في معرفة نوع كفره هل سِبّه لتكذيبه به أم لبُغضِه وحسده له أم لاستهزائه به فهذا لايمكن الجزم به ولايلزم البحث عنه في أحكام الدنيا. وفي هذا قال ابن تيمية رحمه الله] إنْ سَبَّ اللهَ أو سبَّ رسوله كَفَر ظاهرًا وباطنا،
(1) انظر (فتح الباري) 1/ 37