أن الإيمان ليس التصديق فقط ولا الكفر التكذيب فقط، بل إذا كان الكفر يكون تكذيبا، ويكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب، فكذلك الإيمان يكون تصديقا وموافقة وموالاة وانقيادًا، ولايكفي مجرد التصديق [[1] . وقال ابن تيمية أيضا]والتكذيب أخصّ من الكفر، فكل مكذب لما جاءت به الرسل فهو كافر، وليس كل كافر مكذبا [[2] . وقال أيضا]بل قد استعمل لفظ الكفر - المقابل للإيمان - في نفس الامتناع عن الطاعة والانقياد، فقياس ذلك أن يستعمل لفظ الإيمان كما استعمل لفظ الإقرار في نفس التزام الطاعة والانقياد، فإن الله أمر إبليس بالسجود لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين [[3] . فإذا كان الإيمان لابد فيه من التصديق فضده كفر التكذيب، وإذا كان لابد فيه من الانقياد فضده كفر الاستكبار، وإذا كان لابد فيه من اليقين فضده كفر الشك والظن، وإذا كان لابد فيه من محبة الله ورسوله فضده كفر البُغْض والحسد، وهذه الأمور الواجبة هى من أعمال القلب الداخلة في أصل الإيمان وكذلك أضدادها من أعمال القلب المكفرة. فليس الإيمان شيئًا واحدًا ولا الكفر نوعا واحدًا، وهذا يبين لك خطأ الحصر في قول الطحاوي السابق، وذلك لأنهم - مرجئة الفقهاء - جعلوا الإيمان شيئا واحدًا وهو التصديق، فلا يكون الكفر - وهو ضده - إلا نوعًا واحدًا وهو التكذيب أو الجحد.
وأما الإشكال في قول الطحاوي]ولايخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ماأدخله فيه [فهو في التوفيق بين حصره الكفر في التكذيب وبين أن الشارع نص على كُفْر من أتى بأقوال وأفعال معينة دون اشتراط التكذيب، فنصّ الشارع على أن من استهزأ بالدين كَفَر دون أن يقيد الحكم بكُفره بكونه مكذبًا، أما حَلّ المرجئة لهذا الإشكال فيبينه مايلي:
أنه من جهة أسباب الكفر من الأقوال والأفعال الظاهرة، فقد اتفق أهل السنة والمرجئة من الفقهاء والأشاعرة - وقد كانوا هم أكثرية القضاة في مختلف عصور الدولة الإسلامية - على أن الحكم بالكفر مرتب على الاتيان بسببه الظاهر، وأن كل من حكم الله ورسوله بكفره بقول ٍ أو فعل ٍ (ومنه الترك) فهو كافر ظاهرًا في الحكم الدنيوي وباطنًا على الحقيقة، ولكنهم اختلفوا في تفسير هذه الأحكام:
أ - فقال أهل السنة: هو كافر بنفس القول أو الفعل الظاهر، ومن أدلته قوله تعالى (يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ) التوبة: 74، فأكفرهم الله بنفس القول، ومثله قوله تعالى (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) المائدة: 17، ونحوها من الآيات. فمذهب أهل السنة: أن من أتى بقول ٍ مكفر أو فعل مكفر كَفَر بنفس القول أو الفعل كُفْرًا ظاهرًا في الحكم الدنيوي وباطنًا على الحقيقة. لأن من دلّ الدليل الشرعي على كفره فهو كافر في الظاهر والباطن، لأن الدليل الشرعي وهو خبر الله تعالى لايكون على الظاهر دون الباطن بل لايكون إلا على الحقيقة المتضمنة للظاهر والباطن. فأهل السنة يرتبون الحكم بالكفر على الاتيان بسببه الظاهر من الأقوال والأفعال المكفرة دون النظر في البواعث القلبية التي لايمكن ضبطها بضابط ظاهر ومع هذا فإن الحكم بكفره
(1) (مجموع الفتاوى) ج 7 ص 292، ونقله ابن أبي العز دون عزو في (شرح العقيدة الطحاوية) ط المكتب الإسلامي 1403هـ، ص 381
(2) (مجموع الفتاوى) 2/ 79
(3) (مجموع الفتاوى) 7/ 531