ظاهرًا وباطنًا يدل على أنه لابد أن يكون قد قام بقلبه نوع من أنواع الكفر من جهل أو تقليد أو استكبار أو بُغض أو تكذيب أو شك، ولايلزم في أحكام الدنيا التكلف في معرفته. وهذا هو معنى قول ابن تيمية] إنْ سَبَّ اللهَ ورسولَه كَفَر ظاهرًا وباطنًا، سواء كان السَّاب يعتقد أن ذلك مُحرم، أو كان مستحلًا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قولٌ وعملٌ [[1] . وقال أيضا]وبالجملة فمن قال أو فَعَل ماهو كُفْر كَفَر بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافرًا، إذ لايقصد الكفر أحدٌ إلا ما شاء الله [[2] . هذا مذهب أهل السنة، وهو راجع إلى تفسيرهم لحقيقة الإيمان وأنه قول وعمل، فكما أن الأعمال الظاهرة إيمانٌ، فكذلك الكفر يكون بالأعمال الظاهرة.
ب - أما مرجئة الفقهاء والأشاعرة فقد قالوا: إن كل من نصّ الشارع على كفره بسبب عمل ٍ ظاهر (قول أو فعل) فهو كافر ظاهرًا في الحكم الدنيوي وباطنًا على الحقيقة، ولكن كفره ليس بالعمل الظاهر ذاته، ولكن لأن هذا العمل أمارة (أو علامة أو دليل) على انتفاء التصديق من قلبه أي علامة على أنه مكذّب بقلبه، وبهذا التفسير وفّقوا بين حكم الشارع بالكفر على من أتى بقول أو فعل مكفّر وبين حصرهم الكفر في التكذيب، وهو توفيق فاسد، فليس كل كافر مكذبًا بقلبه كما سنبينه إن شاء الله. ويبين مذهبهم في هذا التوفيق ماقاله ابن عابدين الحنفي في حاشيته: - وهو من مرجئة الفقهاء - فقال في شرح قول الماتن (من هَزَل بلفظٍ كَفَرَ) قال ابن عابدين]أي تكلم به باختياره غير قاصد معناه، وهذا لاينافي ما مَرَّ من أن الإيمان هو التصديق فقط أو مع الإقرار، لأن التصديق وإن كان موجودًا حقيقة لكنه زائل حكمًا، لأن الشارع جعل بعض المعاصي أمارة على عدم وجوده كالهَزْل المذكور وكما لو سجد لصنم أو وضع مصحفًا في قاذورة فإنه يكفر وإن كان مصدقًا لأن ذلك في حكم التكذيب [[3] . كما ذكر ابن حزم مذهب المرجئة في حديثه عن الأشاعرة، فقال]وأما الأشعرية فقالوا: إنّ شتم من أظهر الإسلام لله تعالى ولرسوله بأفحش مايكون من الشتم وإعلان التكذيب بهما باللسان بلا تقية ولاحكاية، والإقرار بأنه يدين بذلك، ليس شئ من ذلك كفرًا. ثم خشوا مبادرة جميع أهل الإسلام لهم فقالوا: لكنه دليل على أن في قلبه كفرًا، فقلنا لهم: وتقطعون بصحة مادّل عليه هذا الدليل، فقالوا: لا [[4] .
وبيّن ابن تيمية أيضا مذهب المرجئة في قوله]وقال أبو عبدالله الصالحي: إن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته، لكن له لوازم فإذا ذهبت دلّ ذلك على عدم تصديق القلب. وأن كل قول أو عمل ظاهر دلّ الشرع على أنه كُفْرٌ كان ذلك لأنه دليل على عدم تصديق القلب ومعرفته، وليس الكفر إلا تلك الخصلة الواحدة، وليس الإيمان إلا مجرد التصديق الذي في القلب والمعرفة، وهذا أشهر قولي أبي الحسن الأشعري، وعليه أصحابه كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي وأمثالهما، ولهذا عدّهم أهل المقالات من المرجئة [[5] . وقال ابن تيمية أيضا]وأما جهم فكان يقول إن الإيمان مجرد تصديق القلب
(1) (الصارم المسلول) ص 512، ط دار الكتب العلمية 1398 هـ
(2) (المرجع السابق) ص 177 - 178
(3) (حاشية ابن عابدين) باب المرتد، ج 3 ص 284،ط دار الكتب العلمية
(4) (الفصل) لابن حزم، ج 5 ص 75، ط دار الجيل 1405هـ
(5) (مجموع الفتاوى) 7/ 509