فهرس الكتاب

الصفحة 535 من 1285

وإن لم يتكلم به، وهذا القول لايُعرف عن أحد ٍ من علماء الأمة وأئمتها، بل أحمد ووكيع وغيرهما كَفّروا من قال بهذا القول، ولكن هو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه، ولكن قالوا مع ذلك إن كل من حكم الشرع بكفره حكمنا بكفره، واستدللنا بتكفير الشارع له على خلو قلبه من المعرفة [[1] . وقال ابن تيمية أيضا]ومنشأ هذه الشبهة التي أوجبت هذا الوهم من المتكلمين ومن حَذَا حَذْوَهم من الفقهاء أنهم رأوا أن الإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر به، ورأوا أن اعتقاد صدقه لاينافي السبّ والشتم بالذات - إلى قوله - ثم رأوا أن الأمة قد كَفَّرت السابّ، فقالوا: إنما كَفَر لأن سبه دليل على أنه لم يعتقد أنه حرام، واعتقادُ حِلِّه تكذيبٌ للرسول، فكَفَر بهذا التكذيب لابتلك الإهانة، وإنما الإهانة دليل على التكذيب [[2] .

والذي أدى بالمرجئة إلى القول بأن أي عمل ظاهر مكفر لايكون كفرًا في ذاته وإنما هو علامة على تكذيب القلب: قولهم في حقيقة الإيمان وأنه تصديق القلب حتى أن جمهورهم لايعتبرون إقرار اللسان من حقيقة الإيمان وإنما هو ركن زائد وشرط لإجراء الأحكام في الدنيا ويعتبرون إقرار اللسان علامة على تصديق القلب وهو مارجّحه البيجوري [3] ، فإقرار اللسان وأعمال الجوارح ليست من الإيمان عند المرجئة بل هى علامات وآثار لتصديق القلب، فكما أن الأعمال الظاهرة ليست إيمانا فلا تكون كفرًا، فأعمال الطاعات آثار للإيمان الذي هو تصديق القلب وكذلك الأعمال المكفرة هى علامات على الكفر الذي هو تكذيب القلب. وانحصر الإيمان والكفر عندهم في تصديق القلب وتكذيبه على الترتيب، وبقيت الأعمال الظاهرة علامات على ذلك.

وقد انتقد ابن تيمية قول المرجئة إن الشئ المكفر أمارة على الكفر، فقال]وهذا موضع لابد من تحريره، ويجب أن يُعلم أن القول بأن كُفْر السابّ في نفس الأمر إنما هو لاستحلاله السبّ زلةٌُ منكرة وهفوة عظيمة .. ثم قال: وإنما وقع من وقع في هذه المهْوَاة بما تلقوه من كلام طائفة من متأخري المتكلمين وهم الجهمية الإناث الذين ذهبوا مذهب الجهمية الأولى في أن الإيمان هو مجرد التصديق الذي في القلب [[4] .

وليس هذا محل نقد أقوال المرجئة هذه بل المقصود هنا عرضها أما نقدها فمحله المراجع التي نوصي بدراستها في هذا المبحث، ويكفي في بيان فسادها أن الله تعالى حكم على أقوام بالكفر وأثبت أن معهم تصديقا ومعرفة بالقلب، فليس كل عمل ظاهر مُكفّر لابد أن يقارنه تكذيب القلب، قال تعالى - عن قوم فرعون - (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ) النمل: 14، واليقين من أعلى مراتب المعرفة والتصديق، وقال تعالى - عن كفار أهل الكتاب (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) البقرة: 146. وقال ابن تيمية رحمه الله]ومن جعل الإيمان هو تصديق القلب يقول: كل كافر في النار ليس معهم من التصديق بالله شيء، لا مع إبليس ولا مع غيره - إلى أن قال - ونصوص القرآن في غير موضع تدل على أن الكفار كانوا في الدنيا مصدقين

(1) (مجموع الفتاوى) 13/ 47

(2) (الصارم المسلول) ص 518

(3) (شرح جوهرة التوحيد) ص 47

(4) (الصارم المسلول) ص 515

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت