فهرس الكتاب

الصفحة 536 من 1285

بالرب، حتى فرعون الذي أظهر التكذيب كان في باطنه مصدقًا، كما قال تعالى (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) النمل: 14 وكما قال موسى لفرعون (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ) الإسراء: 102 ومع هذا لم يكن مؤمنا بل قال موسى (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ) يونس: 88، إلى أن قال: - وقد أخبر الله عن الكفار في غير موضع أنهم كانوا معترفين بالصانع في مثل قوله (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) الزخرف:87 [[1] . فثبت بذلك أنه لاتلازم بين الاتيان بعمل مكفر وبين انتفاء التصديق القلبي كما تقول المرجئة. ومع ذلك فينبغي أن يُعلم أن كل من أتى بعمل ظاهر مكفِّر - إذا انتفت موانع التكفير كالإكراه في حقه - فلابد أن يكون كافرًا على الحقيقة أي كافر بقلبه - مع كفره الظاهر - والقائم بقلبه إما أن يكون جهلًا تكذيبا أو كبرًا أو شكّا أو حسدًا أو بُغضًا للشريعة أو استهزاءً أو حُبًّا للدنيا أو غير ذلك من البواعث التي لايُنظر إليها في أحكام الدنيا كما سبق بيانه. قال ابن تيمية رحمه الله]فإن الكفر عدم الإيمان بالله ورُسله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب بل شك وريب، أو إعراض عن هذا كله حسدًا أو كبرًا أو اتباعا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة [[2] .

يتبيّن مما سبق أن قول الطحاوي]ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ماأدخله فيه[أراد به أمرين كلاهما خطأ:

• فأراد به حصر الكفر في نوع ٍ واحد وهو التكذيب، وهذا الحصر خطأ، فإن أنواع الكفر كثيرة كما بيَّناه.

• وأراد به التلازم بين الكفر الظاهر وبين تكذيب القلب وجحده، أي أن كل من أتى بسبب ظاهر مكفر من قول أو فعل فلابد أن يكون جاحدًا بقلبه، وهذا التلازم ليس بلازم كما أسلفنا. ومع ذلك فنحن ننبه هنا على أن الطحاوي جعل الجحد لازما لاينفك عن الحكم بالكفر الظاهر ولم يجعل الجحد شرطا مستقلا للحكم بالكفر الظاهر، فقد ظن بعض المعاصرين أن الجحد شرط مستقل وأن هذا ماتدل عليه عبارة الطحاوي، ولم يفرقوا بين اللازم والشرط المستقل، وقالوا إن من أتى بعمل ٍ مكفرٍ (من قول أو فعل ظاهر) لايكفر إلا أن يجحد وذلك بأن يصرح بالجحد بلسانه، ومالم يجحد فلا يكفر بالعمل المكفر، والقائلون بهذا وقعوا في محظورات خطيرة يأتي بيانها.

والخلاصة: أن أهل السنة والمرجئة من الفقهاء والأشاعرة اتفقوا على أن من أتى بسبب مكفر من قول أو فعل ظاهر، فهو كافر ظاهرًا وباطنا، أي في أحكام الدنيا والآخرة، واختلفوا في تفسير كفره كما سبق بيانه. والاتفاق بين أهل السنة وفرق المرجئة هذه في الأحكام مع الاختلاف في تفسيرها هو الذي حَدَا بشيخ الإسلام ابن تيمية إلى القول بأن الخلاف معهم لفظي، قال رحمه الله] فإن كثيرًا من النزاع فيها نزاع في الإسم واللفظ دون الحكم [[3] .

وشذ عن هذا طائفتان من غلاة المرجئة:

الطائفة الأولى قالت: إن كل من نص الشارع على كفره لاتيانه بقول أو فعل مكفر فلابد أن نحكم بكفره في أحكام

(1) (مجموع الفتاوي) 7/ 150 - 152

(2) (مجموع الفتاوي) 12/ 335

(3) (مجموع الفتاوى) 13/ 38

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت