الدنيا، أي أنه كافر في الظاهر، ويجوز أن يكون مؤمنًا في الباطن إذا كان مصدقًا بقلبه، وإنما جعلت الأقوال المكفرة أمارة على الكفر لتثبت بها أحكام الكفار على فاعلها في الظاهر. وهذا قول الجهمية من المرجئة، وهو قول فاسد لأن من حكم الله بكفره بقول ٍ أو فعل فهو كافر ظاهرًا وباطنًا، معذبٌ في الآخرة، لأن خبر الله لايكون إلا على الحقيقة لاعلى الظاهر فقط. ولهذا فقد كفَّر السلف كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وغيرهم أصحاب هذه المقالة لأنها تكذيب بخبر الله تعالى بأن هذا كافر ظاهرًا وباطنا وهم يقولون يجوز أن يكون مؤمنا في الباطن [1] . وقال ابن تيمية رحمه الله] إن من تكلم بالتكذيب والجحد وسائر أنواع الكفر من غير إكراه على ذلك فإنه يجوز أن يكون مع ذلك في نفس الأمر مؤمنا، ومن جوّز هذا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه [[2] ، وقال في موضع آخر]فإن قيل لايكونون كفارًا فهو خلاف نص القرآن [[3] . ومع ذلك فقد نقل ابن تيمية عن الجهمية قولًا آخر في هذا:]وهو أن من قال أو فعل ماهو كُفْر كَفَر ظاهرًا وباطنًا وتفسيرهم لكفره كتفسير مرجئة الفقهاء والأشاعرة [[4] .
والطائفة الثانية من غلاة المرجئة قالت: إن من نصّ الشارع على كفره بقول ٍ أو فعل مُكفرٍ لايُحكم بكفره في أحكام الدنيا إلا أن يصرح بالجحد، ولم يختلف السلف في تكفير هؤلاء لأن مقالتهم تكذيب صريح بنصوص الشارع الحاكمة بكفر من أتى كفرًا دون تقييده بالجحد. والفرق بين قول هؤلاء الغلاة وبين قول الطحاوي وطائفته أن الطحاوي جعل الجحد لازمًا للكفر، أما الغلاة فجعلوا الجحد شرطًا مستقلًا للحكم بالكفر. فعند الطحاوي كل من حكم الشارع بكفره فلابد أن يكون جاحدًا، وعند الغلاة كل من حكم الشارع بكفره يشترطون تصريحه بالجحد لايقاع الحكم عليه. ولم يختلف السلف في كفر أصحاب هذه المقالة من غلاة المرجئة كما قال ابن تيمية رحمه الله]وقال حنبل: حدثنا الحُميدي قال: وأُخبرت أن ناسا يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، ويصلي مستدبر القبلة حتي يموت، فهو مؤمن مالم يكن جاحدًا إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان مُقرًا بالفرائض واستقبال القبلة. فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين قال الله تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) البينة: 5. وقال حنبل: سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله وردّ على أمره وعلى الرسول ماجاء به عن الله [[5] .
وبقول هؤلاء الغلاة يقول كثير من المعاصرين المتكلمين في مسائل الإيمان والكفر، يجعلون الجحد (وفي معناه الاستحلال إذ مرجعهما إلى التكذيب بالنصوص) شرطا للحكم بكفر من أتى بقول ٍ أو فعل ٍ مكفر، ظنًا منهم أن هذا هو معنى قول الطحاوي]ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ماأدخله فيه [فظنوا أن الجحد شرطًا للحكم بالكفر، والطحاوي
(1) انظر (مجموع فتاوى ابن تيمية) ج 7، ص 188 - 189 و 401 - 403 و 558.
(2) (الصارم المسلول) ص 523
(3) (الصارم المسلول) ص 517
(4) (مجموع الفتاوى) 7/ 188 - 189
(5) (مجموع الفتاوى) 7/ 209. وهذا الأثر رواه الخلال بإسناده في كتابه (السنة) ص 586 - 587، ط دار الراية 1410هـ ونقل ابن تيمية تكفيرهم عن طائفة أخرى من علماء السلف في (مجموع الفتاوى) 7/ 205