فهرس الكتاب

الصفحة 538 من 1285

أراد أن الجحد لازمًا لاينفك عن الحكم بالكفر على مافي هذا من خطأ بيّناه آنفا.

وقد أطلت الكلام في هذه المسألة وفي السابقة عليها إذ إن سوء فهمهما هو عمدة غلاة المرجئة المعاصرين الذين لايكفرون من قضى الله ورسوله بكفره بحجة أنه (لا نكفر مسلمًا بذنب ما لم يستحله) أو أنه (لايخرج أحد من الإيمان إلا بجحود ماأدخله فيه) . وسأذكر أمثلة لمن يقولون بقول غلاة المرجئة من المعاصرين عند الكلام في أخطاء التكفير إن شاء الله تعالى.

والعبارة الأخيرة للطحاوي ليست من معتقد أهل السنة بل هى من مذهب المرجئة، ولم ينبه شارح العقيدة الطحاوية (ابن أبي العز) على ذلك، ولهذا لزم التنبيه هنا، وماذكرته هنا هو مجرد إشارة وإلا فإنني كتبتُ كتابًا مفصلًا في أحكام الإسلام والإيمان والكفر ذكرت فيه أدلة هذا كله من الكتاب والسنة وأقوال السلف وكتابي هذا اسمه (الحُجَّة في أحكام الملة الإسلامية) ومازال مخطوطًا لم يطبع إلى الآن يَسَّر الله تعالى نشره.

(فائدة) الفرق بين الجحد وبين الاستحلال أو الاستباحة

جرت عادة العلماء على:

• استعمال لفظ الجحد مع الواجبات الشرعية، فيقال: جحد الواجب، أي قال إنه ليس واجبا أو أنكر وجوبه، فيقال: جحد وجوب الصلاة وجحد وجوب الجهاد وجحد وجوب الصدق في القول.

• واستعمال لفظ الإستحلال والاستباحة مع المحرمات، فيقال استحل الحرام أو استباحه، أي قال إنه حلال أو مباح أو أنكر أنه حرام، فيقال: استحل الخمر أو الزنا.

فالجحد يستعمل مع الواجبات والاستحلال مع المحرمات، فيقال جحد الواجب واستحل المحرَّم، ولا يستقيم أن يقال: استحل الواجب وجحد الحرام، وإن كان يقال أحيانا: جَحَد تحريم الحرام كجَحْد تحريم الخمر كما في قول ابن تيمية] وأما الفرائض الأربع فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة فهو كافر، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها كالفواحش والظلم والكذب والخمر ونحو ذلك [[1] ، فاستعمل لفظ (جحد تحريم) بدل (استحل) . ولكن الشائع هو استعمال لفظ الجحد في انكار الواجب، ولفظ الاستحلال في استباحة الحرام أي انكار تحريمه.

ونحن إذا قلنا إن الجحد والاستحلال يثبتان على العبد - في أحكام الدنيا - بقوله، فإن القول قد يكون نطقًا بلسانه، أو كتابةً بخطه أو بأمره، وذلك لما دلّت عليه القاعدة الفقهية من أن (الكتاب كالخطاب) [2] .

والجحد والاستحلال كلاهما يرجع إلى أصل واحد، وهو التكذيب بالنصوص الشرعية، فالجاحد - المنكر لوجوب الواجب - مكذب بالنص الموجب لفعل الواجب، والمستحل - المنكر لتحريم الحرام - مكذب بالنص الحاظر لفعل المحرم، وكل مكذب بالنصوص فهو كافر، لقوله تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا

(1) (مجموع الفتاوي) 7/ 609 - 610

(2) انظر (شرح القواعد الفقهية) للشيخ أحمد الزرقا، ص 285، ط دار الغرب الإسلامي، 1403 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت