جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ) العنكبوت: 68، وقال تعالى (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ) العنكبوت: 47. فالجاحد والمستحل كافران.
وسبب الكفر هنا هو مجرد التصريح - نطقًا أو كتابةً - بانكار الواجب أو استحلال الحرام، دون النظر في الباعث للشخص على ذلك، وهذا الباعث هو ماقام بقلبه وحمله على الجحد أو الاستحلال، وهو نوع كفره:
• فقد يجحد أو يستحل بلسانه، وهو مكذب بقلبه لما أنكره بلسانه، فكفره كفر تكذيب.
• وقد يجحد أو يستحل بلسانه، وهو مصدق بقلبه لما أنكره بلسانه، فكفره كفر جحود.
• وقد يقر بوجوب الواجب وتحريم الحرام بقلبه ولسانه إلا أنه يقول إنه لن يلتزم بذلك، فكفره كفر عناد واستكبار [1] . وسيأتي فيها تفصيل في المقدمة السابعة عشرة بالمسألة الخامسة بموضوع الحكم بغير ماأنزل الله بالمبحث الثامن بهذا الباب إن شاء الله.
ومن أمثلة استعمال هذين المصطلحين: ما نقله ابن حجر عن البغوي - في توبة المرتد - قال:] فإن كان كَفَر بجحود واجب أو استباحة محرم، فيحتاج أن يرجع عما اعتقده [[2] . وقال]وإن ارتد بجحود فرض أو استباحة محرم لم يصح إسلامه حتى يرجع عما اعتقده، ويعيد الشهادتين لأنه كَذَّب اللهَ وكَذَّبَ رسوله بما اعتقده في خبره، فلا يصح إسلامه حتى يأتي بالشهادتين [[3] .
هذا ما تيسّر في بيان الفرق بين الجحد والاستحلال، وإذا وجدت بعض أهل العلم يسوون بينهما فذلك لأن مرجعهما إلى أصل واحد وهو التكذيب بالنصوص الشرعية كما ذكرت، ولكن عند التحقيق يوجد بينهما فرق وهو ماذكرته هنا، وبالله تعالى التوفيق.
(تنبيه هام) فيما يُشترط للتكفير به من الذنوب أن يكون فاعلها جاحدًا أو مستحلًا، ومالا يُشترط فيه ذلك.
إذا أطلق لفظ الإيمان فالمراد به الدين كله، وهو يشتمل على شُعَب كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) [4] ، فاشتمل الإيمان بذلك علي جميع الطاعات فرضها ونفلها مما يجب على القلب واللسان والجوارح، كما يشتمل الإيمان على ترك المحظورات المحرم منها والمكروه.
وينقسم الإيمان إلى ثلاث مراتب، تشتمل كل مرتبة على بعض شعب الإيمان، بحيث تنتظم المراتب الثلاث جميع شُعب الإيمان، والمراتب الثلاث هى:
أ - أصل الإيمان: وهو مالا يوجد الإيمان بدونه، وبه النجاة من الكفر والدخول في الإيمان، وهو مطلق الإيمان، وصاحبه داخل في المخاطبين بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ، وهو يشتمل على شُعَب ولا يصح إلا باكتمالها
(1) وتفصيل هذا تجده بكتاب (الصارم المسلول) لابن تيمية، ص 521 - 522
(2) (فتح الباري) 12/ 279
(3) في تكملة (المجموع للنووي) 19/ 231. ولابن قدامة مثله في (المغني مع الشرح الكبير) 10/ 100
(4) رواه مسلم