فهرس الكتاب

الصفحة 543 من 1285

والإيمان الذي ذكرنا مراتبه الثلاث آنفا هو الإيمان الحقيقي الذي تجري عليه أحكام الآخرة عند الله تعالى من الثواب والعقاب، أما في الدنيا فالإيمان الحكمي الذي يُفرق به بين المسلم والكافر (وهو المرادف للإسلام الحكمي) يثبت بالإقرار بالشهادتين أو مايقوم مقامهما من علامات الإسلام. قال ابن حجر رحمه الله - في كلامه في تعريف الإيمان -] فالسلف قالوا هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان - إلى قوله - وهذا كله بالنظر إلى ماعند الله تعالى، أما بالنظر إلى ماعندنا فالإيمان هو الإقرار فقط، فمن أقرَّ أجريت عليه الأحكام في الدنيا [[1] . وقال ابن تيمية رحمه الله]لأن الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لايستلزم الإيمان في الباطن الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة [[2] . وقد فرق الله بين نوعَي الإيمان في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) الممتحنة: 10، فقوله تعالى (اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ) الممتحنة: 10 أي بحقيقة إيمانهن، وقوله (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) الممتحنة: 10 أي بحسب الظاهر وهو الإيمان الحكمي. وكما في قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) النساء: 25، فقوله تعالى (الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) النساء: 25 أي بحسب الظاهر، وقوله (وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ) النساء: 25 أي بحقيقته وهو الإيمان الحقيقي.

يُراجع في مراتب الإيمان [3] . وقد وصف ابن القيم رحمه الله أحوال أصحاب هذه المراتب الثلاث (الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات) [4] .

يتبين مما سبق أن كلَّ طاعةٍ إيمانٌ ولكن ليست كل معصية كفرًا، فكما أن الطاعات تتفاوت مراتبها فمنها مايدخل في أصل الإيمان ومنها مايدخل في الإيمان الواجب ومنها مايدخل في الإيمان المستحب، فكذلك المعاصي مراتب: منها مايُخل بأصل الإيمان وتسمى كفرًا ومنها مايُخل بالإيمان الواجب وتسمى فسقًا. قال تعالى (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) الحجرات: 7. أورد ابن تيمية هذه الآية ثم قال] قال محمد بن نصر المروزي: لما كانت المعاصي بعضها كفر، وبعضها ليس بكفر، فرَّق بينها فجعلها ثلاثة أنواع: نوع منها كفر، ونوع منها فِسق وليس بكفر، ونوع عصيان وليس بكفر ولا فسوق، وأخبر أنه كَرَّهها كلها إلى المؤمنين. ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الإيمان وليس فيها شيء خارج عنه لم يفرق بينها [[5] . والمرجع في تصنيف المعصية إلى الشارع، فمن المعاصي التي سمّاها الله كفرًا دعاء غير الله تعالى كما في قوله تعالى (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا

(1) (فتح الباري) 1/ 46

(2) (مجموع الفتاوى) 7/ 210

(3) (مجموع فتاوى ابن تيمية) ج 7 ص 358 و 525 و 529 و 637، ج 10 ص 6، ج 12 ص 474، ج 19 ص 290 - 294

(4) وذلك في كتابه (طريق الهجرتين) ص 185 - 216، ط دار الكتب العلمية 1402 هـ

(5) (مجموع الفتاوي) 7/ 42

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت